ـ إن الذين يطوفون بالأضرحة يقعون في الشرك بأنهم يتجهون إليها بالخضوع والحب والخشوع، فكذلك هناك الذين يطوفون حول المال والشهوات فيركعون ويسجدون للمال والشهوات والدنيا (تركع وتسجد قلوبهم وليس جوارحهم) وكل خوفهم من ضياع المال وكل رجاؤهم في الحصول علي المال والشهوات والمتع، فهؤلاء يطوفون بالأضرحة دون أن يذهبوا إليها أو يعرفوها أصلا (يطوفون حول إله الشهوة) قال تعالى: (( أَرَأيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأنت تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [1] ، وفي الحديث: (( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أعطىَ رَضِىَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ ) ) [2] ، القطيفة أي المظاهر، وبالتالى فمن الناس مَنْ يعبد أصناما رغم أنهم ليس عندهم أصنام ولا يعرفونها، إنها أصنام المال والمزاج والهوي والدنيا من دون الله، فهم يتجهون بمشاعرهم وهمومهم وأهدافهم إلى الدنيا، فيكون حبه للدنيا وخوفه عليها وخضوعه لها، وفي الحديث: (( إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِى الْمَالُ ) ) [3] ، فاحذر أن تغرك الدنيا وتفتنك: (( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) ) [4] ، وفي الحديث: (( احذروا الدنيا فإنها خضرة حلوة ) ) [5] ، فمن الناس من يأتون يوم القيامة فيكتشفون أنهم كانوا يتناسون أنهم يعبدون فروجهم أو يعبدون المال أو المظاهر أو الطعام والشراب أو كل ذلك أو بعضه أو تدور حياتهم حول ذلك أو بعضه وإن لم يصلوا إليه، ذلك لأن مشاعرهم وأهدافهم وهمومهم متوجهة لذلك ومنقطعة عن الله واليوم الآخر.
ـ إن كل إنسان يريد أن يحل مشاكله ليصل إلى السعادة، ولكن الفرق أن هناك من يرى مشاكله في الدنيا من الطعام والشراب والزواج والمسكن والحرية ... الخ، ويرى أن سعادته هي في الدنيا بحل مشكلاته وتوفير الراحة، ويستند إلى الحل باستخدام العقل والرأي السديد، وعلى العكس فهناك من يرى أن مشاكله في الآخرة من البعث والوقوف بين يدي الله والحساب ومصيره إلى الجنة أو النار ... الخ، ويرى أن سعادته هي في الآخرة بحل مشكلاته والوصول إلى الراحة في الجنة، ويستند إلى الحل باستخدام الشرع من الكتاب والسنة، فالأول تدور مشاعره حول محور الدنيا فهو يعبد الدنيا، والثاني تدور مشاعره حول محور الآخرة فهو يعبد الله، فإذا لم يكن أكبر المشاعر متجهة لمشاكل الآخرة فذلك عبادة للهوى.
ـ إن الإنسان عبارة عن جسد وروح (أو طين وروح) وهو مطالب بأمرين هما صلته بالله (وهو غذاء الروح) وصلته بالدنيا (وهو غذاء الطين) فإذا كانت مشاعره المتعلقة بغذاء الطين من الطعام والشراب ومتطلبات الحياة والمعيشة ... الخ أكبر من مشاعره المتعلقة بغذاء الروح فهو يعبد الطين (يعبد الدنيا) ، كما أن عدم تغذية الروح يؤدي إلى أن تموت الروح ويبقى الجسد حي فيعيش الإنسان وهو منقطع الصلة بالله، فهناك أموات خارج القبور هم يعيشون ويأكلون ويشربون ولكنهم ليسوا أحياء، وذلك لأنهم يُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا على الآخرة: (( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) ) [6] ، (( فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فإن الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى ) ) [7] ، (( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخرة ) ) [8] ، (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخرة وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) ) [9] ، (( كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ) ) [10] ، (( إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ) ) [11] ، فإذا كانت مشاعر الإنسان وهمومه وتفكيره وأهدافه وأمانيه المرتبطة بالطين (بدنيا الناس) أكبر من مشاعره المرتبطة بالله والآخرة فهذا وقوع في عبادة الهوى.
ـ ومن الناس مَنْ أعماله مبنية علي أساس اعتبارات الناس وفي الحديث: (( مَنْ أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس ومَنْ أسخط الناس برضا الله كفاه الله مؤنة الناس ) ) [12] ، فهذا ينشأ من أن مشاعره متوجهة للناس ولو شعر أن نظر الناس ليس فيه نفع أو ضر لما اهتم بنظر الناس، وإنك لتجده يعيش حياته بناءا علي عادات الناس وتقاليدهم يقيس علي ذلك ما هو صواب وما هو خطأ وما يفرح به وما يحزن عليه (والناس يفرحون ويحزنون علي أمور دنيوية من اختراعاتهم) ، ولا يمكن لإنسان يشعر بخطورة الآخرة والغيبيات ألا يكون ذلك الأساس والمقياس الذي يبني عليه حياته وأعماله، فهذا الرجل قد آثر عادات الناس وتقاليدهم، فبدلا من أن يعيش أسيرا منقادا لله، فهو اختار أن يعيش أسيرا منقادا لحسابات واعتبارات للعادات والتقاليد وكلام الناس والوطن والجنسية والتعصب للعائلة أو الجنس أو الوضع الاجتماعي المعين أو المستوي المعيشي أو البيئة المحيطة أو التعود والألفة علي ما كان عليه الآباء والأصحاب، أو يعيش أسيرا لهواه، أو أسيرا لإطار معين: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شيئا وَلا يَهْتَدُونَ ) ) [13] .
(1) الفرقان: 43
(2) رواه البخاري (2924)
(3) رواه الترمذي (2507) ، وفي السلسلة الصحيحة (592)
(4) لقمان: من الآية 33
(5) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم: 192)
(6) الأعلى: 16
(7) النازعات: 37 ـ 40
(8) إبراهيم: من الآية 3
(9) النحل: 107
(10) القيامة: 20
(11) الإنسان: 27
(12) صحيح الجامع (6010)
(13) البقرة: 170