ـ الإنسان يعمل من أجل مصلحته وما فيه النفع له، فإن كان لا يشعر بالنفع ولا يشعر بما فيه مصلحته في الجنة فإنه سوف يري أن العمل للآخرة تكاليف وأعباء فيتثاقل، إنه يشعر أن السعادة إنما هي في المال والمتع والمظاهر والممتلكات والمادة، وإن كان مقتنعا نظريا أن السعادة الحقيقية إنما هي في الجنة، وأن هذه أعراض زائلة، لكن هذا في الاقتناع النظري فقط، فالمشاعر تتفاعل إيجابا وسلبا فرحا وحزنا بمفردات الحياة من مال ومتع ومظاهر ... الخ، بينما لا تتفاعل المشاعر بالغيبيات وما يحدث فيها، فالغيبيات ليست في بؤرة شعوره وليست علي باله ولا في حساباته رغم أنها المستقبل كله والمصير كله، فهو يعيش من أجل الدنيا، فتكون حياته مبنية علي الدنيا فهي هدفه وطموحه ومستقبله.
ـ وهناك مَنْ يصنع لنفسه قضية ويعيش لها، فمثلا كان في الجاهلية قبائل كل محور حياتهم شرف القبيلة وسمعتها فكانوا يقاتلون من أجل القبيلة، كذلك الذي محور حياته الموضة أو الشهوات أو هواية معينة أو تسلية معينة أو عمل معين بحيث يكون ذلك هدفه وغايته وكل شاغله يقوم ويقعد من أجله فعندئذ يقع في عبادة الهوى.
ـ ومن الناس مَنْ يحب شخصا لقضيته فسوف يحشر معه ويكون مصيره هو نفس مصير هذا الشخص، ففي الحديث: (( الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ) ) [1] ، فإذا كان يتخذ شخصا ما مثلا أعلى له في أمر من أمور الدنيا بحيث كان حبه لذلك أكبر من حبه لله فذلك عبادة للهوى، لذلك فالمؤمن لا يحب أحدا أو شيئا إلا في الله أي لقضية الدين أي تتوجه مشاعره إلى الله والآخرة.
ـ إن الإنسان إذا وقف صريحا مع نفسه، وسأل نفسه ما هي قضيتي في الحياة؟، ما هي قضيتي التي أعيش من أجلها؟، إنه سوف يكتشف أنه يعيش من أجل أربعة أشياء هي على الترتيب: أولا: المال وما يأتي به المال من المتع، وثانيا: متع النساء والنظر إلى العورات، وثالثا: المظاهر والمناصب، ورابعا: الطعام والشراب، هذا حال الكثير لكن لا يقف أحد أبدا صريحا مع نفسه ويتغافل عن أن يواجه نفسه، فهذه الأمور الأربعة عبارة عن محور وحياة الكثير تدور حول هذا المحور وتظل تلف حوله من قريب أو بعيد، أما المؤمن فإن له محور واحد يدور حوله هو خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب من الله تعالى، وهناك من يغالط نفسه ويظن أنه يعيش من أجل رضا الله وهو في الحقيقة يخدع نفسه، فالاقتناع النظري يسير في اتجاه والشعور والمشاعر تسير في الاتجاه المعاكس، فهو مقتنع بأنه يعيش من أجل رضا الله، لكن شعوره ومشاعره منقطعة عن الله والآخرة ولا تتأثر إلا بالدنيا وما فيها، فإن المؤمن ينظر إلى متع الدنيا نظرة احتقار، وينظر إلى أهل الدنيا الذين يعيشون لها ويعبدونها على أنهم مساكين لأنهم يهلكون أنفسهم: (( وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) ) [2] ، (( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) ) [3] ، ولأنهم يتنافسون على جيفة قذرة هي الدنيا، فينظر المؤمن إليهم على أنهم أغبياء لأنهم يتنافسون على شيء لا قيمة له: (( وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) ) [4] ، أما الذي لا يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا فينظر إلى متع الدنيا نظرة إعجاب وانبهار وتعظيم وحب، فالله قد زينها له، وينظر إلى أهل الآخرة نظرة سخرية، ففي تفسير الطبري: (( زين للذين كفروا الحياة الدنيا: قال الكفار يبتغون الدنيا ويطلبونها ويسخرون من الذين آمنوا في طلبهم الآخرة ) ) [5] ، وفي تفسير الطبري: (( {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ(38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويصنع نوح السفينة، وكلما مرّ عليه جماعة من كبراء قومه سخروا منه، يقول: هزئوا من نوح، ويقولون له: أتحوّلت نجارًا بعد النبوّة، وتعمل السفينة في البر؟، فيقول لهم نوح: (إن تسخروا منا) ، إن تهزءوا منا اليوم، فإنا نهزأ منكم في الآخرة، كما تهزءون منا في الدنيا فسوف تعلمون إذا عاينتم عذابَ الله، مَن الذي كان إلى نفسه مُسِيئًا منَّا )) [6] .
ـ من الناس من يكون فرحه وحزنه مبني على أساس الدنيا، فالسعيد عنده هو من حصل على الدنيا والتعيس من خسر شيئا من أمور الدنيا، والفوز عنده هو الفوز بجائزة دنيوية أو الحصول على مال أو جاه أو متع أو شهوات ... الخ، والخسارة عنده هي ضياع مال أو جاه أو شيئا من حطام الدنيا، أما المؤمن فأساس الفرح والحزن عنده مبني على أساس أن السعادة إنما هي في الجنة، فكل عمل يعمله يرجو فيه ثواب الله فهذا هو الفوز لأنه يقربه من الفوز الأكبر بالجنة، وكل عمل يعمله من أجل الدنيا فهذه هي الخسارة لأنه يقربه من الخسارة الكبرى وهي النار.
ـ إذا كان أكبر ما يتمناه الإنسان وأكبر ما يحلم به وأكبر ما يرجوه وأكبر ما يطمح إليه سواء على سبيل التمني في خيال الإنسان كأن يتمنى الإنسان أن يعثر على كنز مثلا، أو على سبيل الأمل في الوصول لشيء من الممكن تحقيقه، فإذا كان أكبر ما يتمناه ويطمح إليه ويرجوه ويحلم به ويفكر فيه هو المال وأن يكون غنيا أو المظاهر أو الشهوات أو أي شيء من أمور الدنيا وشهواتها فهو يعيش من أجل الدنيا وإن كان يكذب على نفسه ويظن أنه يعيش لله، أما المؤمن فإن أكبر ما يتمناه ويطمح إليه ويرجوه ويحلم به ويفكر فيه هو الوصول إلى الجنة، ولا يتحقق الإيمان حتى يزول تعظيم قيمة الدنيا من القلب
(1) رواه البخاري (6239)
(2) الأنعام: من الآية 26
(3) آل عمران: 197
(4) الأعراف: 179
(5) جامع البيان عن تأويل القرآن ـ محمد بن جرير بن يزيد الطبري ـ دار الفكر ـ بيروت (ج: 2، ص: 334)
(6) تفسير الطبري (ج: 15، ص: 310)