فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 168

وبالتالي حتى يكون أكبر ما يحلم به الإنسان ويتمناه هو الجنة ورضا الله وليس العثور على كنز أو الوصول إلى ألوان الثراء الدنيوي والمناصب العليا وكامل التمتع بشهوات الدنيا.

ـ ومن الناس مَنْ لا يشغله قضية الدين من أساسه، فلا هي تشغل باله ولا يهتم بها ولا يتأثر بها، وهو يَعْجَبْ لماذا يُتعب المتزمتون أنفسهم بالدين؟!، وتكون قضايا وهموم الحياة كالزواج والطعام والشراب هي التي تشغل همه في حين أن الله سبحانه ليس في همه، وتجد عنده عدم الاهتمام واللا مبالاة بأمر الآخرة والدين أو عدم تقدير لأمر الآخرة والدين بالقدر الواجب، أو علي أحسن الأحوال ينظر إلى الآخرة بفتور شديد ومشاعر باردة، رغم أنه مقتنع نظريا تماما بالآخرة لكنها في نظره غير مهمة، ولو كانت مهمة فعلا في نظره لانشغل باله بها وكان مهموما بها، ومن الناس مَنْ ليس عنده أي هم بالآخرة رغم ما بها من أهوال وأنها المصير لدرجة أنك قد تجد المرء يستغرب ولماذا الهم بالآخرة؟!، وكأنه لا يوجد أي شيء يدعو للهم بالآخرة!، ويكون في غفلة عن الغيبيات لأنه لا يوجد أي توجه للغيبيات سواء سلبا أو إيجابا فلا يخاف الآخرة ولا يكرهها ولا يحبها لأنه لا يشعر بها أصلا وكذلك كل الغيبيات، وهذا هو نسيان الله والآخرة، فإن الشيء الذي تهتم به فإنه يشغل همك ولا تنساه، فمعني عدم انشغال الهم بالآخرة عدم الاهتمام بشأنها كأنها أمرا غير مهم، إذن فنسيان الآخرة ليس نسيان وجودها ولكن نسيان ما تعنيه من الأهمية والخطورة فلا تشغل البال، وكذلك نسيان الله لا يعني نسيان وجوده فالكفار يعلمون وجوده، ولكن يعني عدم وجود اليقين الحقيقي بقدره وقدرته، فلا ينشغل البال أو المشاعر بأمر الله والدين، (( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) ) [1] ، (( فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ) [2] .

ـ ارتباط مشاعر الإنسان بقضايا الدنيا أكبر من ارتباط مشاعره بقضايا الآخرة يدل على أن تعظيم الدنيا عنده أكبر من تعظيم الآخرة، وهذا يعني إيثار الدنيا على الآخرة، وهذا فضلا عن أن تكون مشاعره مرتبطة بقضايا الدنيا فقط من قضايا الزواج والأموال والتجارة و الطعام والشراب والتعليم وغير ذلك من أمور الدنيا.

ـ إن هناك أمور كثيرة أحلها الشرع كالطعام والشراب والملبس والتعليم والعمل أو حتى الكورة الخ، والقضية ليست في هذه الأمور في حد ذاتها فهي أمور يأمر بها الشرع حتى ما فيها من اللهو المباح والمتع الحلال، وإنما القضية في ارتباط المشاعر وتوجه المشاعر تجاه هذه الأمور فتصبح قضية الإنسان في حياته وهمه الأكبر، وإنك لتجد المرء مهموما بالمال والشهوات والنظر إلي عورات النساء والمظاهر والترف والأغاني ومهموما بمشاغل الحياة من الدراسة والزواج والأولاد والطعام والشراب .... إلخ (سواء ما فيها من حلال أو حرام) ، وإذا بحثت عن مكان في الذهن مشغولا بالآخرة لا تجد، وكأن عالم الغيب لا يعنيه رغم أن كلمة الآخرة تعني الأهوال والخطر القادم، فإنه ينظر إلى عالم الغيب بعدم اهتمام في حين ينظر إلى أمور الدنيا باهتمام بالغ، وقد يكون الإنسان مقتنعا بأنه لا يعيش من أجل هذه الأشياء أو أنها ليست قضيته الأولى في حياته، ولكن العبرة باتجاه مشاعره وحياته وهمه وطموحه وتضحياته من أجل ذلك الأمر، فأنت لا تختار الطريق بعقلك ولكن مشاعرك هي التي تختار الطريق، فقد تختار أنت طريق الحق مقتنعا به نظريا، لكن مشاعرك تختار طريق الشهوات أو أي شيء فلا تتأثر المشاعر بالغيبيات وأركان الإيمان وإنما تتأثر بهذه الأشياء، أما إذا استطعت أن تقود مشاعرك وتوجهها إلى اليقين الحقيقي بالله واليوم الآخر فهذا هو أصل تزكية النفس الذي فيه الفلاح (( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ) ) [3] ، (( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ) ) [4] .

ـ هناك من يكون أكبر مشاعره وحياته متعلقة بمبادئ وعلوم ودراسات وقيم وقوانين وعادات تتفق مع الشرع تماما، لكنه لا يتعلق بها باعتبار أنها متوافقة مع الشرع ولكن باعتبار أنه يراها صحيحة تخدم البشرية والإنسانية والتقدم والمدنية ولما فيها من النفع والخير بدون اعتبار الشرع من أساسه فهو يقع في عبادة الهوى، وهناك من يفرحون بالتقدم العلمي مثلا وإن كان ذلك محمودا لكنه عندهم هو دينهم!!، لأن مشاعرهم وهمومهم وأهدافهم متعلقة به أكثر من تعلقها بالله والآخرة إن كان هناك أصلا شيء من تأثر مشاعرهم بالله والآخرة، فبذلك هم يعبدون التطور والتقدم العلمي والرفاهية فينظرون إلى الدين نظرة سخرية على أنه تقاليد بالية وتخلف ورجعية حتى وإن لم يقولوا بذلك فالشعور بالسخرية والاستعلاء والاستكبار على الدين هو وقوع في النفاق الأكبر: (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أعمالهُمْ ) ) [5] ، فظنوا أن السعادة إنما هي في الدنيا ويقولون بمشاعرهم: (( إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) ) [6] ، وفي تفسير النسفي: (( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم عددا واشد قوة بدنا وآثارا في الأرض قصورا ومصانع، فما أغنى عنهم: ما نافية، ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم يريد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها كما قال يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) ) [7] .

(1) التوبة: من الآية 67

(2) السجدة: 14

(3) الأعلى: 14

(4) الشمس: 9

(5) محمد: 9

(6) المؤمنون: 37

(7) تفسير النسفي (ج: 4، ص: 82)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت