فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 168

ـ جميع الناس مؤمنون وكفار يوقنون يقينا نظريا بأن الله هو الرزاق الكريم المنعم الوهاب وجميع صفات الإنعام، كما يقولون بألسنتهم بأن الله هو الرزاق الكريم المنعم الوهاب وجميع صفات الإنعام، فهم ينسبون جميع النعم إلى الله تعالى بألسنتهم وبيقينهم النظري.

ـ الذي ينسب النعمة إلى نفسه أو إلى غير الله فيقول ذلك بلسانه فهذا من الكفر الأصغر إذا كان اعتقاده ويقينه بأن جميع النعم من الله تعالى، كقول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي على سبيل إسناد النعمة إلى آبائه، أو قول أحدهم: لولا فلان لم يكن كذا .. وغيرها مما هو جار على ألسنة كثير من الناس، والمراد أنهم ينسبونه إلى أولئك، مع علمهم أن ذلك بتوفيق الله.

ـ أما عدم الإحساس بقيمة أن الله هو المالك وأن الإنسان لا يملك شيئا فأصبح مفهوم أن الله هو المالك لا قيمة له، فعدم وجود هذا الإحساس وما يتبعه من مشاعر الخضوع والحب للخالق نفاق أكبر.

ـ الإحساس بقدر صفات الإنعام يؤدي إلى حب الله تعالى:

ـ تصور لو أنك ذهبت إلى مكان ما وقيل لك أن مصاريف الإقامة والطعام والشراب والملبس علي حساب فلان، تصور فعلا أن إقامتك في هذه الدنيا مدفوعة الحساب (فأنت لا تملك أن تدفع حساب شربة ماء واحدة، ولا تستطيع أن تقيت نفسك) إذا لماذا لا تحب الله؟ ولماذا تتوكل علي غير الله كأن تعتمد علي نفسك؟، ولماذا يكون كل همك في إحضار الرزق؟.

ـ استشعار الملكية لله يؤدي إلى الإحساس بقدر صفات الإنعام، فأنت إذا أكلت أكلة أو شربت شربة فإنك تستشعر أن هذه الأكلة أو هذه الشربة هي ملك لله ليس لك فيها حق، ولم تستطع أن تأكل اللقمة أو تشرب الشربة إلا بعد أن أذن الله لك بذلك، وكذلك تستشعر أن السكن الذي تسكن فيه ليس خاص بك وملكا لك وإنما هو ملك لله ومحض تكرم من الله عليك، بل إن يدك وجسمك ليس ملكا لك وإنما هو ملك لله تعالى وكونه معك فهو محض تكرم من الله عليك (راجع الشعور بأن الله هو المالك) .

ـ ومن نعم الله رعاية الله لك ورحمته بك، وأنه يسترك وأنت تعصيه رغم أنه يستطيع أن ينتقم منك وينسفك نسفا إذا عصيته، فإذا به يغفر لك ذنبك إذا تبت واستغفرت، ويتودد إليك ويرشدك إلى طريق السعادة، وييسر لك: (( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ) [1] ، (( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ) ) [2] ، ومن نعم الله أن القرآن مليء بضرب الأمثال والإيضاحات التي تذلل لك العقبات وتوضح لك الطريق، بل إن الله أخبرك بما يكون في المستقبل من أمر الآخرة حتى تكون على بصيرة، كما أرسل رسولا من البشر ليكون نموذج إرشادي تطبيقي عملي يواجه نفس ما يواجهه البشر، كما أن الله يعطي للبشر حقا عليه أن يدخلهم جنات بها نعيم بلا حدود إذا لم يشركوا به ويعطيهم لذة الإيمان في الدنيا التي هي أعظم من كل لذات الدنيا، رغم أنه ليس لبشر حق على الخالق إلا أنه حق أخذه الله على نفسه، كما يبارك لهم في أرزاقهم ويجيب دعاءهم، كما أنه يجيب دعوة المضطرين ويفرج الكربات، ويعطي الناس من كل ما سألوه: (( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) ) [3] ، فكل هذا رحمة من الله تعالى ويجعلك تحب الله تعالى.

ـ أهم المشاعر التي تنشأ عن الإحساس بصفات الإنعام هي الشعور بحب الله تعالى، فإذا لم يشعر الإنسان بحب الله تعالى فهذا يعني عدم شعوره بأن له ربا (فإن كلمة رب تعني صفات الإنعام والمالك والخالق والعزيز، أي الربوبية) ، ومن هنا نعرف الفرق بين اقتناع المرء نظريا بأن له ربا وشعوره بأن له ربا، كما ينشأ عن الإحساس بقدر صفات الإنعام التوكل على الله لأنه الرزاق والكريم والوهاب ولا أحد غيره يرزق أو ينفع أو يضر.

ـ اليقين الحقيقي بصفات الإنعام يؤدي إلى الشعور بالحياء من الله:

ـ عندما يشعر الإنسان بكرم الله وفضله عليه فإنه يستحي أن يعصيه أو يفعل ما يغضبه، فيعبد الله حياءا منه، وفي الحديث: (( استحيوا من الله حق الحياء، قال: قلنا يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله قال ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوي ولتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ) ) [4] ، فالإنسان يترك الذنب خشية أنه عندما يقف أمام الله فماذا يقول له؟ فهو يستحي أن يضع نفسه في هذا الموقف المخجل حيث يأكل من رزق الله ويعيش على أرضه وينعم بنعمه ثم يقف أمامه وقد عصاه فما يقول له؟!!، ومن لم يشعر بالحياء من الله لم يشعر بأن الله له صفات الإنعام.

(1) البقرة: من الآية 185

(2) النساء: 27

(3) إبراهيم:34

(4) قال الشيخ الألباني: حسن (جامع الترمذي ج: 4، ص: 637، برقم 2458)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت