ـ قد أوضحنا أن الإنسان لا يملك شيئا وأن المالك هو الله، فكل ما عند الإنسان من مال وممتلكات بل هو نفسه ملك لله، إن كل ما خلقه الله هو نعم للإنسان فإن الله سخر له ما في السموات والأرض، والنعمة هي كل ما فيه نفع أو فائدة للإنسان، وقد أوضحنا أن الإنسان ليس هو الذي يجلب ويأتي بالنعم والنفع لنفسه وإنما الذي يعطي النعم والنفع هو الله، فالله له كل صفات الإنعام فلا ينفع غيره.
ـ هناك فرق بين صفات العبد وصفات الرب، فالفرق بين كرم العبد وكرم الرب أن الله يكرم فيما يملك أما العبد فلا يملك شيئا وهكذا.
ـ لو لم يكن الله الرزاق لأتى العبد يوم القيامة وقال يا ربي انشغلت بجلب الرزق وغلاء المعيشة وأداء الحقوق عن معرفتك وعبادتك فتكون له حجة، ولكن الله هو الرزاق فلا حجة لأحد بأن يعيش حياته في جلب الرزق.
ـ نسيان نعم الله هو نسيان للمنعم والرزاق فهو نسيان لله لأن كلمة (الرب) تعني أساسا صفات الإنعام والرزق وأن الله هو الوكيل والكفيل وكلها صفات عطاء ونعم للإنسان.
ـ عندما يكون الإنسان في محنة ثم ينجو منها ينسى عطاء الله عليه، فإذا نسي هذه النعمة ونعمة أخرى وثالثة ورابعة فينسى نعم الله جميعا بكل صورها وعندئذ يكون إيمانه بأن الله هو ربنا الرزاق والوكيل والكفيل هو مجرد اقتناع نظري ولم يتحقق في المشاعر.
ـ أفضل نعم الله أنه أرسل إلى البشر رسلا تعرفهم أن هناك نارا وترشدهم إلى طريق الخلاص منها لأن الله لو عذب الناس جميعا لعذبهم وهو غير ظالم لهم لأنهم عبيده وملكه، وصاحب الشيء يفعل بما يملك ما يشاء، لكن الله من رحمته لم يرد ذلك وأرسل الرسل لتعرف الناس بطريق النجاة.
ـ فإذا لم يشعر الإنسان أنه يأخذ ما هو في أمس الحاجة إليه حيث لا تقوم حياته بغير نعم الله عليه، وأن ما يأخذه ليس حقا له وإنما محض مَن وتكرم، فلم يشعر بقيمة اللقمة التي يأكلها ويقنع بها ويخجل من طلب المزيد ويحب الرزاق، فهو لا يشعر عندئذ بأن الله له صفات الإنعام وإن كان على يقين نظري تام بذلك.
ـ إذا لم تكن تملك شيئا على الإطلاق من طعام أو شراب وأتاك أحد بشربة ماء فأنت حينئذ تكون ممتنا شاكرا، وهذا الماء بالنسبة لك هو نعيم ونعمة كبيرة لأنه جاءك ولم تكن تستحقه وهو ذو قيمة كبيرة واحتياج كبير لك، فلابد أن تشعر بأنك تعيش في نعيم مهما كان حالك من الفقر والمرض، ولذلك عندما يسألك أحد:"كيف حالك؟"، فتقول:"الحمد لله"، أو تقول:"في نعمة والحمد لله"مهما كان حالك، ولكن يجب أن تقول ذلك بلسان مشاعرك أيضا، وهذا هو مفهوم الرضا القلبي.
ـ مفهوم الشعور بعدم الملكية (مفهوم الإحساس بأن الله هو المالك) :
ـ هناك مشاعر تنشأ من الشعور بعدم الملكية هي الشعور بالضعف والشعور بالخضوع والشعور بالحب والتوكل على الله والشعور بعظمة الخالق، ونوضح ذلك كالتالي:
ـ إذا سلبت النعم من الإنسان فأصبح بغير عين ولا أنف ولا مال ولا سلطان فعندئذ يشعر بالضعف والعجز والنقص، وإذا لم تسلب هذه النعم من الإنسان فينبغي أن يشعر بنفس هذه المشاعر (أي بالضعف والعجز والنقص) لأنها ليست ملكا له، فحقيقته أنه معدوم مسلوب النعم لا يملك شيئا، وينبغي عليه أن يشعر بالانهزام والاستسلام والتذلل لمن يعطي هذه النعم له، وينبغي أن يشعر أن الذي يعطيه هذه النعم قوي متكبر ومتعالي بما يمتلك من هذه النعم التي يعطيها لهذا الفقير المحتاج المسكين الذليل، كما ينبغي أن يشعر بالحب لمن يمن عليه ويتكرم عليه ويتفضل عليه بهذا الإحسان بغير أن يكون مستحقا لهذا العطاء، كما ينبغي أن يشعر أنه لا يستطيع هو بنفسه مهما سعى وعمل أن يحصل على هذه النعم ويجلبها لنفسه فيشعر بالتوكل والاعتماد على من يعطيها له.
ـ فإذا لم يشعر الإنسان بهذه المشاعر تجاه الخالق، فهذا معناه أنه يشعر بأنه مالك لهذه النعم وأنه حصل عليها بكده وتعبه، أو أنها موجودة من تلقاء نفسها أو تجاهل الإحساس بقيمة ملكيتها لله تعالى، أي أن الإنسان يقول عندئذ بمشاعره أن الله ليس هو الرزاق الكريم المنعم الوهاب، وإنما هذه النعم ملكا للإنسان، وهذا نفاق أكبر.
ـ ولا يمكن أن يتحقق الشعور بضعف الإنسان وتوكله وخضوعه وحبه لله بغير أن يتحقق الشعور بأن الله هو المالك للنعم وكل شيء.
ـ الفرق بين كفر النعمة وعدم الشعور بصفات الإنعام:
ـ الكفر الأصغر يسمى اصطلاحا كفر نعمة، وهو عبارة عن معاصي لا تخرج صاحبها من الملة مثل الأحاديث التي تصف بعض المعاصي أو فاعليها بالكفر كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) ) [1] .
(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن أبي داود ج: 4، ص: 221، برقم: 4686)