الله يؤدي إلى الخضوع له حبا، فيؤدي ذلك الخضوع إلى الطاعة، وليست القضية الأساسية الطاعة وإنما الطاعة الناشئة عن حبك لله أي تطيعه لأنك تحبه، فمن أثر حبك للقرآن فإنك تتلوه وتحفظه، ومن أثر حبك لله والرسول فانك تتبعه، فمقدار الحب هو أن يصل إلى درجة الانقياد، فالذي يحب المال ينقاد له والذي يحب امرأة ينقاد لها، والذي يحب الدنيا ينقاد لها، كذلك فالذي يحب الله ينقاد له ويخضع له، فالحب يلازم الخضوع والانقياد، ودرجة الحب هو أن يصل إلى درجة الخضوع، فالذي يملا قلبك حبه فأنت أسيرا لحبه، فهو قد سيطر علي مشاعرك، أي أصبحت مشاعرك خاضعة له، فالحب يؤدي إلى الخضوع للمحبوب، فأنت تخضع حبا أو من حبك له، كمَنْ يحب امرأة إلى درجة أن يخضع لها، والله يريد أن تخضع له وتركع عن حب وتعظيم ولا يريد أن تخضع له عن قهر ولو أراد ذلك لفعل سبحانه.
ـ الحب صورة من صور الشعور باللذة، فإذا لم يشعر الإنسان باللذة فهو لا يحب، فالحب عبارة عن متعة ولذة، فمن لم يجد في محبة الله متعة ولذة فهو لا يحب الله تعالى.
ـ كثيرا من الناس يدعون حب الله فإن الذي يحب شخصا فإنه يحب أن يذهب إليه ويتحدث معه فهل تجد في نفسك الشوق إلى لقاء الله والشوق إلى النظر إلى وجه الله الكريم في جنات النعيم، ومن أدعية الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اللهم وأسألك لذة العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك وشوقا إلى لقاك ) ) [1] .
ـ إن الذي يدعي حب الله ولا يشعر بالحالة النفسية التي يشعر بها المحبين في الدنيا فليس بمحب، فالمشاعر ليست شيئا هلاميا وهميا ولكنها حالة نفسية وحالة عاطفية ومزاجية موجودة في النفس، فحب الله هو من جنس الحب الموجود في الدنيا، لأنه إذا لم يكن حب الله من نفس جنس الحب الذي يعرفه الإنسان فالله يخاطبنا بلغة لا نفهمها.
ـ معنى خوف المهابة:
ـ جاء في تفسير النيسابوري: (( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أمر اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ(21) .... الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة {يخافون ربهم من فوقهم} {النحل: 50] وإلى هذا أشار بقوله: ويخشون ربهم} ، وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها. وإليه الإشارة بقوله: {ويخافون سوء الحساب} )) [2] ، وفي تفسير الرازي: (( وقال أصحاب الحقائق: الخوف على قسمين: خوف العقاب، وخوف العظمة والجلال، أما خوف العقاب فهو للعصاة، وأما خوف الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين، سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا، وذلك لأنه تعالى غني لذاته عن كل الموجودات، وما سواه من الموجودات فمحتاجون إليه، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني يهابه ويخافه، وليست تلك الهيبة من العقاب، بل مجرد علمه بكونه غنيًا عنه، وكونه محتاجًا إليه يوجب تلك المهابة ) ) [3] ، وفي تفسير الرازي أيضا: (( قال العارفون: الخوف خوفان خوف العقاب وخوف الجلال، والأول نصيب أهل الظاهر، والثاني نصيب أهل القلب، والأول يزول، والثاني لا يزول ) ) [4] ، (( وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) ) [5] .
ـ وفي تفسير البغوي: (( {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} قال ابن عباس ومجاهد: لا ترون لله عظمة، وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته، وقال الكلبي: لا تخافون الله حق عظمته، و"الرجاء"بمعنى الخوف، و"الوقار"العظمة اسم من التوقير وهو التعظيم ) ) [6] ، وفي تفسير بحر العلوم: (( {وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} ، يعني: من هيبته خائفون ) ) [7] ، وفي تفسير النيسابوري: (( مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ قال أهل الاشتقاق: إن تركيب(خ ش ى) يلزمها الهيبة ومنه للسيد ولكبير السن، وتركيب الخوف يدل على الضعف ومنه الخفاء، وكل موضع ذكر فيه الخشية أريد بها معنى عظمة المخشى منه، وكل موضع ذكر فيه الخوف فإنه أريد ضعف الخائف كقوله {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50] أو ضعف المخوف منه كقوله {لا تخف ولا تحزن} [العنكبوت: 33] يريد أنه لا عظمة لهم وقال {إنا نخاف من ربنا يومًا} [الإنسان: 10] لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة )) [8] .
(1) حديث صحيح (ظلال الجنة ج: 1، برقم 424)
(2) تفسير النيسابوري (ج: 4، ص: 425)
(3) تفسير الرازي ـ دار إحياء التراث-ـ موافق للمطبوع (1/ 2121)
(4) تفسير الرازي (ج: 2، ص: 64)
(5) إبراهيم: 14
(6) تفسير البغوي (ج: 8، ص: 231)
(7) بحر العلوم للسمرقندي (ج: 3، ص: 123)
(8) تفسير النيسابوري (ج: 7، ص: 57، 58)