الإنسان طول عمره بغير أن يشعر بالخضوع لله فقد أضاع صلاته وأحبط أعماله ففي الحديث: (( إن الرجل ليصلي ستين سنة وما تقبل له صلاة ولعله يتم الركوع ولا يتم السجود ويتم السجود ولا يتم الركوع ) ) [1] .
ـ الخضوع والذل هو ركوع المشاعر وسجودها، وهو أصل معني العبودية في اللغة، والخضوع يعني الاستسلام ويمكن اشتقاقه من كلمة الإسلام بمعني الاستسلام أي إسلام النفس وكل ما تملك إلى مالكها الحقيقي هو الله سبحانه، أى التجرد من كل ما تملك لتنسبه إلى مالكه الحقيقي وهو الله سبحانه، لذلك هو أصعب شعور علي النفس، فأنت مستسلم مغلوب علي أمرك من الله والله غالب علي أمره، والخضوع والذل معناه أن تعيش مرهونا بعطائه فمن غيره تموت، ذليلا لعطائه محتاجا لعطائه، فبغير عطاءه ونعمه لا تستطيع أن تتنفس، فالنفس والهواء نعمة، فأنت عبد إحسانه خاضع لما يجود به عليك، وكما يقولون فالإنسان أسير الإحسان، والخضوع والذل معناه اليقين الحقيقي بأن الله لا يسأل عما يفعل (( لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) ) [2] ، فالله أراد أن يخلق الكون والناس والآخرة بما أراد وكيف أراد، ولا يسأل لماذا؟، فلا يحاسبه أحد، فالشعور بالتسليم بدون السؤال: (لماذا؟) يعني الشعور بالخضوع، كما أن الشعور بالخضوع معناه الشعور بأن كل الأمور وكل شيء يخضع لهيمنة الله وسيطرته خضوعا كاملا وسيطرة كاملة، فأنت وكل شيء خاضع لهيمنة الله وسيطرته الكاملة، كما أن الشعور بالخضوع معناه الشعور بالرضا بما أراد الله وقدر لكل واحد من رزق وأجل، ومما يحدث في حياته وبعد موته، والله لا يسأل عما يفعل ولا يحاسبه أحد، لماذا هذا ولماذا هذا؟، كما أن الله هو الذي خلق عقولنا وأفهامنا التي نفهم بها وخلق الأسباب التي نفهم بها، والله فوق الأسباب والناس مقهورون تحت سلطانه، ولا يفهمون إلا ما أفهمهم الله، ولا يعلمون إلا ما علمهم الله، فمَنْ لم يشعر بكمال الخضوع والاستسلام لله، فهو لا يشعر بالرضا بسلطان الله علي كل شيء وتحكمه في كل شيء وهيمنته علي كل شيء وأي شيء.
ـ إن الشعور بهيمنة الله تعالى على كل شيء يؤدي إلى أن يخضع العقل والقلب لله، فمقياس الصواب والخطأ ليس العقل وإنما الله من خلال شرعه وأمره، ومقياس ما يجعل الإنسان يفرح أو يحزن هو ما وافق أو خالف أمر الله، أما مَنْ لا يشعر بالخضوع لهيمنة الله تعالي فمقياس الصواب والخطأ عنده هو عقله ورأيه فهو يعبد عقله، ومقياس ما يجعله يفرح أو يحزن هو شهواته ودنياه فهو يعبد هواه: (( أَرَأيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأنت تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [3] .
ـ كيف يتحقق الشعور بالخضوع:
ـ لابد أن تشعر بأنك عاري من كل شيء ومحتاج إلى غيرك أي أنك أولا تنفي كل شيء من نفسك وثانيا تثبت وتنسب كل شيء لله، أي الرضا بأن الله له كل شيء، وأنك جزءا من ملكه وهو يقوم بأمرك، وأنك ذليل إلى الله محتاج إليه، فالمشكلة هي عدم وجود اليقين الحقيقي بأن الله هو المالك لكل شيء حتى النفس الذي تتنفسه، وأنت محتاج إليه فمن غيره تموت وتهلك، فطالما أن الإنسان يظن أن ما عنده من قوة ومال وقدرات مادية ومعنوية وصحة وهواء .... الخ هي ملكا له، فلن يشعر بالحاجة إلى الله ليعطيه هذه الأشياء، ويقول الدكتور مجدي الهلالي: [[إن السبب الرئيسي لعدم إيمان الكثير من الناس بالله ـ عز وجل ـ وعدم قيامهم بحقوق عبوديتهم له، هو عدم استشعارهم حاجتهم إليه: يقول تعالى: (( كَلَّا إِنَّ الْإنسان لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) )[4] ، ففي ظنهم أنهم يمتلكون من أسباب القوة ما يجعلهم في غنى عنه ـ سبحانه ـ وعندما يستبدل حالهم من اليسر إلى العسر، ومن السعة إلى الضيق، ومن الأمن إلى الخوف والكرب، فإنهم يتجهون بكليتهم إلى الله ـ عز وجل ـ بعد أن زالت عنهم عوارض القوة، وعاشوا في حقيقة فقرهم وضعفهم، واستشعروا حاجتهم الماسة إليه سبحانه، فتراهم يعودون إليه متضرعين منكسرين مخلصين له الدين: (( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ(53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ )) [5] ، (( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) ) [6] ، ولقد كان الرسل يركزون في دعوتهم للناس على إشعارهم بحاجتهم إلى الله، فيذكرونهم بحجم النعم التي أنعم الله بها عليهم ـ سبحانه ـ]] [7] ، ومما يحقق الشعور بالخضوع أيضا اليقين الحقيقي بهيمنة الله على كل شيء والمعرفة الحقيقية بالله.
ـ اليقين الحقيقي بأن الله هو المالك يؤدي إلى الشعور بالخضوع، فمعني أن ينخلع الإنسان من كل ما يملك حتى من نفسه هو أن يكون كالميت بين يدي مغسله يفعل به ما يشاء، فيكون كالميت بين يدي الله يفعل به ما يشاء (وهذا أيضا أصل الشعور
(1) حديث صحيح (السلسلة الصحيحة ج: 6، ص: 81، برقم: 2535)
(2) الأنبياء: 23
(3) الفرقان: 43
(4) العلق: 6، 7
(5) سورة النحل: 53 ـ 55
(6) يونس: 22
(7) الإيمان أولا ـ د. مجدي الهلالي ـ دار التوزيع والنشر الإسلامية (ص: 18)