فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق )) [1] ، وكان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا خطب على المنبر فذكر الآخرة تحركت مشاعره وانفعل بشدة ففي الحديث: (( وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه نذير جيش يقول صبحكم مساكم ) ) [2] ، فقد جاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الناس ليقول لهم (أيها الناس: أنقذوا أنفسكم من النار!!) وهذا ما جاء في الحديث: (( لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فخص وعم فقال يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، يا معشر بني قصي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضرا ولا نفعا، إن لك رحما سأبلها ببلالها ) ) [3] ، وفي حديث آخر: (( مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار فتغلبوني فتقتحمون فيها ) ) [4] ، وعن ابن عباس قال: لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين) صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فجعل ينادي: (( يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقا، قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت(تبت يدا أبي لهب وتب ) )) [5] ، وفي رواية: (( يا بني عبد مناف يا بني عبد مناف إني نذير إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله فخشي أن يسبقوه إلى أهله فجعل يهتف يا صباحاه يا صباحاه أُتيتم أُتيتم ) ) [6] ، وفي حديث آخر: (( خذوا جُنَّتكم!، قالوا يا رسول الله عدو حضر قال لا ولكن جنتكم من النار قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنهن يأتين يوم القيامة مجنبات ومعقبات وهن الباقيات الصالحات ) ) [7] وفي الحديث: (( الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ ) ) [8] ، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: (( مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خصا لنا فقال ما هذا؟، فقلنا: قد وَهَى فنحن نصلحه، قال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك ) ) [9] أي الآخرة قريبة ووشيكة حتى كأنه لا وقت للانشغال بشيء غيرها.
ـ وكان أبو الدرداء يقول: (( لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت، ما أكلتم طعامًا على شهوة، ولا شربتم شرابًا على شهوة أبدًا، ولا دخلتم بيتًا تستظلون به، ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم، ولوددت أنى شجرة تعضد ثم تؤكل ) ) [10] .
ـ وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (( ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فوالذي نفسي بيده لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى ينقطع صوته وصلى حتى ينكسر صلبه ) ) [11] ، ورغم ذلك فلا يزال البعض يتغافلون عن الآخرة، فمتى تزول الغشاوة عن هذا الخطر القريب الخطير؟!.
ـ إن الآخرة تعني الأهوال والمصير والمستقبل، فكيف لإنسان عاقل يصدق بهذا ولا تنشغل مشاعره بمصيره ومستقبله، ذلك لأن الآخرة ليس لها وجود حقيقي في مشاعره، إن الذي يعرف أن هناك آخرة هي مستقبله ومصيره وأنه مسافر إليها ثم لا يشعر بالغربة لأنه مسافر إلى الآخرة ولا يشعر بالخوف والقلق في حين تتعلق مشاعره بالدنيا مع علمه بفنائها وضآلتها فهذا الإنسان لا يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا، فالذي يقول بأن الدنيا ضئيلة فانية والآخرة هي الحياة والمتع الحقيقية ثم تجد مشاعره منقطعة عن الآخرة ومتجهة إلى الدنيا فهو كذاب، ولو كان صادقا فيما يقول لتعلقت مشاعره بالآخرة، لأن الدنيا في مشاعره هي الحياة والمستقبل والمصير، ومن هنا نستطيع أن نفهم معنى الصدق الحقيقي (صدق المشاعر) ، فإن اقتناعه بأن الدنيا ضئيلة فانية والآخرة هي الباقية هو اقتناع كاذب، وإنما هو يقول بمشاعره: (( إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) ) [12] رغم أن الاقتناع النظري تام بالآخرة إلا أنه اقتناع كاذب، فالآخرة في الاقتناع النظري عنده خطيرة ومصيرية لكنها في المشاعر ودودة أليفة لا مشكلة فيها وليس لها تأثير حقيقي علي المشاعر، وغدا سوف يفاجئ بيوم القيامة كأنها
(1) متفق عليه (مشكاة المصابيح ج:1، برقم 148، وهو أيضا في صحيح الجامع برقم 5860)
(2) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن النسائي ج: 3، ص: 188، برقم 1578)
(3) حديث صحيح (جامع الترمذي ج: 5، ص: 338، برقم 3185)
(4) حديث صحيح (صحيح الجامع برقم 5858)
(5) متفق عليه (مشكاة المصابيح ج: 3، برقم: 5372)
(6) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم: 7901)
(7) حديث حسن (صحيح الترغيب والترهيب ج: 2، برقم: 1567)
(8) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 3115 في صحيح الجامع)
(9) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 568، برقم: 2335)
(10) تزكية النفوس (1/ 74)
(11) إحياء علوم الدين (4/ 163)
(12) المؤمنون: 37