فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 168

مفاجأة لم يكن يعرفها كأنه لم يسمع عن شيء اسمه الآخرة لأنه لم يكن يشعر بخطورة الآخرة، لأن الذي يشعر بخطورة الآخرة يعيش وعنده تهيئة نفسية فلا يفاجئ بالآخرة وإنما هو منتظر مجيئها ومنتظر تحقيق وعد الله تعالى.

ـ عالم الغيب فوق مستوى الخيال وأشد رعبا من كابوس مرعب وأشد رعبا من رؤية أشباح وأعجب من السحر:

عالم الغيب عالم رهيب وعجيب وخطير جدا لكنه في المشاعر عالم عادي جدا لا خطورة منه ولا مشكلة فيه، إن عالم الغيب في مشاعر البعض مثل حواديت، فمثل هؤلاء يفاجئون بعد الموت بعالم حقيقي أخطر وأعجب وأغرب من هذه الأشياء، فيرون الملائكة ويفاجئون بالحساب والجنة والنار: (( وَنُفِخَ فِي الصُّور فَإِذَا هُم مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ(51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ )) [1] ، لذلك قد تستخدم النار لتخويف الأطفال، أما مثل هؤلاء الكبار فلا تستخدم النار لتخويفهم لأنهم ناضجين لا تتأثر مشاعرهم بهذه الأساطير؟!!، فهؤلاء مشاعرهم تقول: (( إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) ) [2] وإن كان عندهم اقتناع ويقين تام وجازم بكل الغيبيات ولكنه اقتناعا ويقينا نظريا فقط.

ـ إن الذين يؤمنون بالخرافات والخزعبلات والأساطير أفضل حالا من الماديين الذين لا يؤمنون بما لا يرونه، وذلك لأن عالم الغيب أعجب وأغرب من عالم الخرافات والخزعبلات، وبالتالي تصور عالم الغيب أصعب من تصور الخرافات والخزعبلات، إلا أن الخرافات والخزعبلات لا دليل لها، فمثلا الذي يؤمن بوجود أشباح في أسطورة معينة أفضل حالا من الذي لا يؤمن بها من باب أنه لا يؤمن بغير ما يرى.

ـ عندما يرى الإنسان كابوس مرعب فإنه قد لا ينام عدة أيام فإنه كلما نام رأى الكابوس، ويكون في حياته قلقا متوترا خائفا منزعجا وصورة الكابوس لا تفارق عينه ولا يستطيع أن ينساها، فالآخرة أشد في خطورتها من أي كابوس لأن فيها أهوال أشد من أي كابوس، فضلا عن أنها حقيقة وليست كابوسا، فالذي يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا دائما لا تفارق صورة الآخرة ذهنه: (( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ )) [3] .

ـ ربما تسمع أساطير عن إنسان رأى عفاريت وأشباح أو أن مكانا معينا مسكونا بالعفاريت، هذه أمور مرعبة، فالملائكة والجن من حولنا الآن أشد رعبا من هذه العفاريت فضلا عن أنها حقيقة، فأي عاقل يوقن يقينا حقيقيا بأنه يعيش وحوله كائنات أكثر رعبا من العفاريت ثم لا يشعر بالقلق والخوف من مهابتها، وأي عاقل يوقن يقينا حقيقيا بأنه سوف يرى هذه الملائكة ويرى الأهوال ثم لا يشعر بالقلق والخوف من مهابة الأمر.

ـ والساحر يسحر لك أشياء تدعو للدهشة والعجب وقد تكون أشياء مخيفة أو مرعبة، أما عالم الغيب فهو أعجب من ذلك لأنه أشد غرابة من السحر فضلا عن أنه حقيقة وليس سحرا.

ـ الحياة الدنيا تافهة ولا قيمة لها وأقل من أن تستحق الاهتمام بها وذلك بالمقارنة بالآخرة:

ـ على العكس مما سبق تماما، فكل ما في الدنيا من أمور هامة وخطيرة ومشاغل كبرى وانجازات رهيبة ومسئوليات وتبعات ونظم إدارية ضخمة وشهوات وأموال ومتع ورفاهيات وتكنولوجيا رهيبة ومدنية حديثة فكل ذلك لعب ولهو وكم مهمل ولحظات وجيزة جدا بالمقارنة بالآخرة، ففي الحديث: (( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ) ) [4] ، فلو كانت الدنيا ذات قيمة لم يكن من العدل أن يعطي الله للكافر رزقا واسعا، ولكن لأن الدنيا لا تساوي شيء فلا فرق بين أن يأخذها مسلم أو كافر، بل إنه لتفاهة الدنيا وحب الكافرين لها لأعطاها الله للكافرين: (( وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ، وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخرة عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) ) [5] ، ومعنى (أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي في الكفر، أي يكفر جميع الناس عندما يجدوا أن مَنْ يكفر يكون له هذا النعيم في الدنيا (وهم لا يشعرون أن نعيم الدنيا زائل ولا قيمة له) ، وفي الحديث: (( ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع ) ) [6] ، وفي حديث آخر: (( إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير ) ) [7] .

ـ تصور قيمة الحياة الدنيوية وما بها في نظر أهل الآخرة:

(1) يس: 51، 52

(2) المؤمنون: من الآية 83

(3) التكاثر: 5، 6

(4) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3240)

(5) الزخرف: 33 ـ 35

(6) حديث صحيح (رواه مسلم ـ برقم 5156)

(7) تحقيق الألباني: حسن (صحيح الجامع برقم 2195)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت