فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 168

ـ وهي أن يكون الكوب ممتلئا عن آخره، ففي هذه الحالة يكون الإحساس بالقيمة كاملا ويكون اليقين الحقيقي كاملا ويصل الإنسان إلى كمال الإيمان، والمؤمن مطالب بأن يكون على هذه الحالة فيكون قلبه ممتلئا بحب الله والخوف منه والخضوع له ورجاءه، وذلك من معاني لا إله إلا الله، أي لا أحب إلا الله ولا أخاف إلا من الله ولا أخضع إلا لله ولا أرجو إلا الله.

2 ـ الحالة الثانية:

ـ وهي أن يكون الماء أعلى من نصف الكوب، فيكون القلب فيه قدر من الماء وقدر من الهواء، أي أن قدر الإحساس بالقيمة أكبر من قدر غياب الإحساس بالقيمة (الغفلة) ، وبذلك يكون اليقين الحقيقي موجودا ولكن ناقصا وليس كاملا، والإيمان موجودا ولكن ضعيفا وليس كاملا.

3 ـ الحالة الثالثة (الشك) :

ـ وهي أن يكون الماء في منتصف الكوب أو أقل منه، وهذا هو الشك، فيقع الإنسان في النفاق الأكبر ويكون مترددا مذبذبا، ويكون عنده قدر من حب الله وقدر من حب الدنيا، وحب الدنيا أكبر من حب الله.

4 ـ الحالة الرابعة:

ـ وهي أن يكون الكوب فارغا تماما من الماء، فلا يوجد إحساس بالقيمة، فيقع الإنسان في النفاق الأكبر ويكون منافقا خالصا، ويكون قلبه ممتلئا بحب الدنيا، وليس في قلبه ذرة من حب الله.

ـ مفهوم الشك:

ـ الشك إما أن يكون في اليقين النظري أو في الإحساس بالقيمة، وحيث أن اليقين النظري موجود عند جميع الناس، فالشك يكون في الإحساس بالقيمة فقط، وقد أوضحنا أن الحالة الثالثة من الإحساس بالقيمة هي الشك، وفي تفسير الطبري: (( يقول تعالى ذكره: لئن لم ينته أهل النفاق الذين يستسرون بالكفر ويظهرون الإيمان(وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) يعني: ريبة من شهوة الزنا وحب الفجور )) [1] ، أي أن المرض الذي في قلوبهم هو الريبة والشك بسبب حبهم للشهوات، فالريبة والشك هنا مسألة مشاعر وليست في اليقين النظري.

ـ الغافل يفيق من غفلته يوم القيامة ولكن بعد فوات الأوان:

ـ لأنه يوم القيامة أصبح يرى الأمور على حقيقة واقعة أمام عينه، فأصبح الآن يسمع ويبصر ويكتشف أنه كان مغفلا: (( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ) ) [2] ، (( لَقَدْ كنت في غفلة من هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ) [3] .

ـ معنى نسيان النفس أي كما أنه لا يشعر بحقيقة ما حوله فهو أيضا لا يشعر بخطورة ما هو عليه من الضلال كأنه على الحق فهو بذلك ينسى نفسه، فنسيان النفس هو غفلة الإنسان عن حقيقة ما في نفسه وحقيقة أمره.

ـ فعدم شعور الإنسان بقدر الله وخطورة الآخرة وضعف نفسه وضآلة الدنيا أدى إلى عدم شعوره بخطورة ما هو عليه من الغفلة والإعراض عن الله والآخرة وعدم شعوره بحقيقة ما في نفسه وما يقوله بمشاعره أن البعث والآخرة أوهام وأساطير، أي إذا فتش في حقيقة نفسه يعلم أنه لا يؤمن لكنه يتناسى أنه لا يؤمن ويشعر أن مسألة إيمانه أو عدم إيمانه أمر لا قيمة له وذلك رغم وجود اليقين النظري التام بالله والآخرة وبصدق دعوة الرسل.

ـ ويعلم أن ما ينفعه هو دخول الجنة وأن متع الدنيا لا تحقق السعادة لكنه غافل عن ما ينفعه ويجعل هدفه متع الدنيا، والذي يسعى لتحقيق هدف وهو يعلم انه لن يحقق له سعادة فهو في الحقيقة لا هدف له، فهو تائه يعيش بلا هدف فهو قد نسي نفسه فيسير كأنه لا عقل له أو يسير كالأعمى يتخبط في الظلمات: (( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ) [4] .

ـ إذن نسيان النفس معناه أن الإنسان الغافل يعلم أنه غافلا ولكنه يكون غافلا عن أنه غافل!، فالغافل عن الله يعلم أنه غافل عن الله لكنه يتناسى هذا الأمر لأنه ينسى نفسه وينسى ما ينفعه مما يضره، ويحسب نفسه من المهتدين لأنه لا يشعر بخطورة ما

(1) تفسير الطبري (ج: 20، ص: 326)

(2) السجدة: 12

(3) ق: 22

(4) الملك: 22

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت