فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 168

برَحمته" {وما أصابك} أيها الإنسان {من سيئة} أي: بلية {فمن نفسك} أي: شؤم ذنبك، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:"مَا مِن خَدشٍ بعُود ولا اختلاج عرق ولا غيره إلا بذنب، وما يَعفوا الله عنه أكثرُ"فلا ينافي قوله: {قل كلٌّ من عند الله} ؛ فإن الكل منه إيجادًا واختراعًا، غير أن الحسنة إحسانٌ، والسيئة مُجَازاة وانتقام، كما قالت عائشة ـ رضي الله عنها:"مَا مِن مُسلمٍ يُصيبه وَصَبٌ ولا نَصَبٌ، حتى الشوكة يُشَاكها، وحتى انقطاع شِسع نَعلهِ، إلا بذنب، وما يعفوا الله عنه أكثر" )) [1] ، لذلك سبق أن ذكرنا أن أصل ما هو مطلوب من الإنسان لكي يدخل الجنة هو أن يكون حيا، ولن يكون حيا إلا إذا أراد الله له ذلك، لذلك فالأصل أن يدعو الإنسان الله أن يهديه وأن يوفقه للأعمال الصالحات."

ـ إذن قد يكون الإنسان على اقتناع نظري تام وإيمان كامل بأن الله هو النافع الضار الشافي الرازق الوكيل الكفيل وأن كل شيء بيد الله وأنه متوكل على الله تماما، لكن حقيقة مشاعره تقول أن كل شيء بالأسباب، وأن كل شيء يمكن صناعته بالعمل، وكل شيء يمكن شراءه بالمال، وأنه يحصل على المال من كده وتعبه، وأن الأسباب هي التي تفعل كل شيء، فشعوره بالخضوع يكون للأسباب وشعوره بالخوف متعلق بالأسباب وشعوره بالحب للأسباب، لذلك فهو يعيش في عالم الأسباب كل شيء عنده بالحساب وبالتخطيط وبالاستقراء وبالمعادلات الرياضية، فهو رجل مادي لا مشاعر له، ويرى أن المشاعر نفسها يمكن صناعتها بالأسباب!.

ـ بل إنه لا يشعر بأنه يمكن أن يكون هناك شيء خارق للأسباب، فيرى أن الأسباب هي التي أوجدت كل شيء، فمثل هذا الإنسان هو في حقيقته لا يؤمن إيمانا حقيقيا بوجود الله لأن وجود الله يعني الإحساس بوجود قوة خارجية خارقة للأسباب.

ـ والذي يعبد الأسباب لا يشعر بالثواب والعقاب الأخروي وإنما يشعر بالنتائج التي هي في الدنيا والتي هي ثمرة العمل والأسباب، فهو يشعر فقط بما هو محسوس وبالأسباب والنتائج، فهو يقوم بالعمل على أساس المكسب والخسارة الدنيوية، فالآخرة موجودة عنده فقط في الاقتناع والمعرفة النظرية فقط وليس للآخرة وجود في مشاعره وهمومه وتفكيره وأمانيه وحساباته، فهو علماني في مشاعره وهمومه وتفكيره وأمانيه، وفي قصة قارون خير دليل على ما نقول حيث قال: (( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) ) [2] .

ـ لكي يتحقق الإيمان الحقيقي بوجود الخالق لابد أن يتحقق الإيمان بدليل واحد على الأقل على وجوده، أي لابد من الإيمان بآية واحدة على الأقل تدل عليه سواء من آيات الله المنظورة في الكون، أو من الإعجاز في آيات القرآن والسنة ومعجزات الرسل، وكل شيء من الماء والهواء والسماء والمخلوقات هو آيات تدل على الخالق، والإيمان الحقيقي بآيات الله المنظورة التي هي كل شيء من ماء وهواء ومخلوقات هو الإحساس بقيمة هذه الآيات الكونية، ولكي يتحقق الإحساس بقيمة هذه الآيات الكونية لابد من أربعة أمور هي:

1 ـ لابد أن تشعر بالمقارنة بين البشر وبين الكون، أو بين البشر وبين الكرة الأرضية، أو بين البشر وبين الشمس مثلا، وهذه المقارنة من حيث الحجم ومن حيث القدرة، فمن حيث الحجم يتبين مدى ضآلة حجم الإنسان بالنسبة إلى حجم الكرة الأرضية أو الشمس أو الكون، ومن حيث القدرة فالشمس تستطيع أن تبتلع الكرة الأرضية بمن عليها من البشر ومثلها مليون مرة، والزلازل والبراكين والعواصف والفيضانات وغيرها تستطيع أن تنسف آلاف البشر في لحظة واحدة، والبشر يعيشون في خطر دائم ومن الممكن أن ينسفوا في لحظة، والبشر جميعا محمولون على كرة تطير بهم في الفضاء وكأن الكرة الأرضية تفعل بهم ما تشاء فهي أعظم في حركتها وسرعتها من قدرة البشر، والإنسان لا يستطيع أن يصنع ماء أو هواء أو جبل ولا يستطيع أن يصنع ذبابة التي أحقر الحشرات، بل إنه لا يستطيع أصلا أن يصل إلى شيء من مليارات الكرات الأرضية (الكواكب) في مليارات المجرات، بل إن النجوم الموجودة في السماء على ضخامتها مجرد زينة، ومليارات الكرات الأرضية موجودة بلا بشر فالإنسان يفتخر بالأرض التي عليها ويظن أنها ملكه فما هي بشيء أمام الكواكب الأخرى: (( لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أكبر مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ) [3] .

2 ـ ثم تشعر بالمقارنة بين عظمة الكون وعظمة الخالق، فإذا كان الكون عظيما إلى هذه الدرجة فما بالك بعظمة الخالق، فالكون ما هو إلا مخلوق لا حول له ولا قوة، ففي الحديث: (( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ) ) [4] ، وفي حديث آخر: (( ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة ) ) [5] .

3 ـ ثم تشعر بالمقارنة بين ضآلة البشر وعظمة الله، فإذا كانت قيمة البشر ضئيلة أمام عظمة الكون، فما بالك بقيمة البشر أمام عظمة الله وقدرته وهيمنته عليه.

(1) تفسير البحر المديد ـ موافق للمطبوع (2/ 103)

(2) القصص: من الآية 78

(3) غافر: 57

(4) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 8125 في صحيح الجامع)

(5) التخريج: صحيح (السلسلة الصحيحة ج: 1، ص: 223، برقم: 109)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت