ـ فهناك صراع مع النفس والشيطان والدنيا وشياطين الإنس والابتلاءات بالخير والشر، فإما أن يغلبوك أو تغلبهم، فالدنيا لها بريق يصعب التغلب عليه، والشيطان يوسوس والنفس توسوس وشياطين الإنس توسوس وتسد عليك الطريق.
ـ ومنذ أنك وجدت في هذه الحياة فقد دخلت في هذا الصراع وهذه المنافسة حتما سواء رضيت أم لم ترضى، سواء شعرت بهذه المنافسة أم لم تشعر، فأنت واقع في هذه المنافسة والعد التنازلي لوقت حياتك يسير وحساب النقاط التي لك والتي عليك مستمر بمنتهى الدقة ويتم تسجيله.
ـ إذن الحكمة من خلق الدنيا ونزول الإنسان على كوكب الأرض هو أن الله جعل الدنيا عبارة عن شهوات، فالله وضع لك شهوات ذات بريق خادع وفتنة زائفة: (( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) ) [1] ، (( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ) ) [2] ، (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ) [3] ، وخلق الله الإنسان فيه ميل لهذه الشهوات وحب لها: (( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنعام وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) ) [4] ، فهذه الشهوات هي في حقيقتها ضئيلة لا قيمة لها ولكنها مزينة فتبدوا أكبر من حجمها بكثير.
ـ تعلق المشاعر والأهداف بغير الله تعالى (تعلق المشاعر والأهداف بالشهوات والناس والأشياء والأعمال الدنيوية) قد يصل إلى درجة النفاق الأكبر، وهذا ما يسمى بعبادة الهوى، وهو ينشأ من غياب اليقين الحقيقي بالله والآخرة.
ـ إذا كان تعلق المشاعر والأهداف بغير الله تعالى (تعلق المشاعر والأهداف بالشهوات والناس والأشياء والأعمال الدنيوية) أكبر من تعلقها بالله فهذا هو عبادة الهوى.
ـ ولتوضيح ذلك يمكن تشبيه قلب الإنسان بالكوب، والكوب فيه ماء وهواء، كلما زاد الماء في الكوب نقص ما به من هواء، وكلما نقص ما به من ماء زاد ما فيه من هواء.
ـ والماء في الكوب هو ارتباط المشاعر بالله والآخرة، والهواء في الكوب هو ارتباط المشاعر بالدنيا.
ـ والمشاعر هي خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع.
ـ فالإنسان لابد له أن يحب، فإذا لم يحب الله أحب الشهوات، وكلما زاد حبه للشهوات نقص حبه لله، والعكس صحيح، وكذلك باقي المشاعر، فالإنسان إما أن يعبد الله وإما أن يعبد الهوى ولا يوجد شيء ثالث: (( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) [5] .
ـ ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( كُلَّمَا قَوِيَتْ مَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ صَغُرَتْ عِنْدَهُ الْمَحْبُوبَاتُ وَقَلَّتْ، وَكُلَّمَا ضَعُفَتْ كَثُرَتْ مَحْبُوبَاتُهُ وَانْتَشَرَتْ، وَكَذَا الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنْ كَمُلَ خَوْفُ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ لَمْ يَخَفْ شيئا سِوَاهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلَّا اللَّهَ} وَإِذَا نَقَصَ خَوْفُهُ خَافَ مِنْ الْمَخْلُوقِ وَعَلَى قَدْرِ نَقْصِ الْخَوْفِ وَزِيَادَتِهِ يَكُونُ الْخَوْفُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَحَبَّةِ وَكَذَا الرَّجَاءُ وَغَيْرُهُ ) ) [6] .
ـ فيكون هناك أربعة حالات كالتالي:
1 ـ الحالة الأولى (كمال الإيمان) :
ـ وهي أن يكون الكوب ممتلئا عن آخره بالماء، ففي هذه الحالة يكون القلب ممتلأ عن آخره بحب الله والخوف منه ورجاءه والخضوع له، وبذلك قد وصل العبد إلى كمال الإيمان، والمؤمن مطالب بأن يكون على هذه الحالة فيكون قلبه ممتلئا بحب الله والخوف منه والخضوع له ورجاءه.
2 ـ الحالة الثانية (ضعف الإيمان) :
ـ وهي أن يكون الماء أعلى من نصف الكوب، فيكون القلب فيه قدر من الماء وقدر من الهواء، ولكن قدر الماء أكبر، أي أن القلب فيه حب لله وحب للدنيا ولكن حب الله أكبر من حب الدنيا، وكذلك باقي المشاعر، وبذلك يكون الإيمان موجودا ولكن ضعيفا وليس كاملا.
3 ـ الحالة الثالثة (عبادة للهوى) :
ـ وهي أن يكون الماء في منتصف الكوب أو أقل منه، فيكون عنده قدر من حب الله وقدر من حب الدنيا، وحب الدنيا أكبر من حب الله أو مساوي له، وكذلك باقي المشاعر، وإذا حدثت هذه الحالة عند مسلم فقد وقع في النفاق الأكبر.
4 ـ الحالة الرابعة (عبادة للهوى) :
ـ وهي أن يكون الكوب فارغا تماما من الماء، ويكون قلبه ممتلئا بحب الدنيا، وليس في قلبه ذرة من حب الله، وإذا حدثت هذه الحالة عند مسلم فقد وقع في النفاق الأكبر.
ـ إذن هناك حالتان لعبادة الهوى هما:
1 ـ الحالة الثالثة: حيث يكون حب الدنيا وشهواتها والخوف من ضياعها ورجاءها والخضوع لها أكبر من حب الله والخوف من عقابه ورجاءه والخضوع له أو مساوي له، أي تكون المشاعر المتعلقة بالدنيا وشهواتها أكبر من أو تساوي المشاعر المتعلقة بالله والآخرة.
2 ـ الحالة الرابعة: وهي أن يكون القلب فارغا تماما من حب الله والخوف منه والخضوع له ورجاءه وممتلئ بحب الدنيا والخوف من ضياعها والخضوع لها ورجاءها.
ـ مفهوم الهوى:
ـ الهوى حب ما سوى الله كحب الشهوات وحب الناس وحب الأشياء وحب الأعمال الدنيوية، وحب الشهوات هو حب المال وحب شهوة المظاهر وحب شهوة النساء والطعام والشراب.
ـ مفهوم عبادة الهوى:
ـ أي شيء غير الله سواء كان ماديا أو معنويا سواء كان حلالا أم حراما تتعلق به مشاعرك أكبر من تعلقها بالله فأنت تعبد ذلك الشيء وذلك عبادة للهوى وذلك الشيء هو صنم يُعبد من دون الله تعالى.
ـ فهناك مفهوم مغلوط عن الأصنام، فالأصنام ليست فقط تلك المصنوعة من الحجارة فقط، فالدنيا صنم كبير يعبده الكثير من الناس!.
ـ هناك أمور كثيرة ضرورية للحياة والله أمرنا بها وثوابها كبير، وذلك مثل الطعام والشراب، والعمل لكسب المال من حلال، وقضاء الشهوة بالحلال مع الزوجة، ورعاية الأبناء والإنفاق عليهم، وتدبير مسكن مريح أو سيارة، وغير ذلك من مشاغل الحياة وهمومها اليومية، ولكن كل ذلك قد يتحول إلى عبادة للهوى إذا كان أكبر مشاعرك، فأنت بذلك تعبد ذلك الشيء وذلك عبادة للهوى.
1 ـ يقول تعالى: (( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [7] ، (( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) ) [8] ، (( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) [9] .
2 ـ جاء في تفسير القرطبي: (( الهوى إله يعبد من دون الله ) ) [10] ، وفي تفسير الطبري: (( أرأيت يا محمد مَنْ اتخذ إلهه شهوته التي يهواها ) ) [11] ، وفي تفسير ابن كثير: (( أرأيت مَنْ اتخذ إلهه هواه أي بما استحسن من شيء ورآه حسنا في هوى نفسه كان دينه ومذهبه ) ) [12] ، وفي تفسير النسفي: (( أى مَنْ أطاع هواه فيما يأتى ويذر فهو عابد هواه وجاعله إلهه
(1) الكهف: 7
(2) الكهف: 46
(3) الأنفال: 28
(4) آل عمران: 14
(5) القصص: 50
(6) مجموع الفتاوى ـ تحقيق أنور الباز ـ المعدلة (1/ 94)
(7) الفرقان: 43
(8) الجاثية: من الآية 23
(9) القصص:50
(10) الجامع لأحكام القرآن (ج: 13، ص: 35) ـ محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي ـ دار الشعب ـ القاهرة.
(11) جامع البيان عن تأويل القرآن (ج: 19، ص: 17) ـ محمد بن جرير بن يزيد الطبري ـ دار الفكر ـ بيروت
(12) تفسير القرآن العظيم ـ اسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي ـ دار الفكر ـ بيروت (ج: 3، ص: 321)