فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 168

ـ التلهي هو الانشغال بأمور الحياة ومشاغلها والأعمال الروتينية والعادات والتقاليد وسائر أعمال الدنيا كالطعام والشراب والنوم والذهاب للعمل والزواج والتعليم وتربية الأبناء والشراء والبيع وأمور التسلية والترفيه وما اعتاد عليه الناس وتعارف من أعمال في المناسبات ومشاكل الحياة وغير ذلك، ويكون التفكير في الآخرة والاهتمام بها أمر مؤجل أو موقوف مؤقتا أو مهمل لأنه منشغل بالدنيا، ويظل هكذا حتى يموت الإنسان، فتمر عليه سنوات عمره وهو دائم التفكير في الدنيا وعنده طول أمل في الدنيا، فوقت الإنسان ومشاغله الدنيوية تملأ عليه حياته، وتظل الدنيا تسرق منه عمره وهمه ومشاعره وأهدافه حتى يموت، وخاصة مع زيادة مشاغل الحياة في العصر الحديث عن العصور القديمة فيظل يشغل ذلك كل همه حتى يفاجئ بلحظة يذهب فيها للقاء الله تعالى لم يكن قد حمل لها هما أو تفكر فيها واستعدت لها نفسه.

ـ فالإنسان قد يقتل وقته ويضيعه حتى لا يعطى عقله فرصه للإحساس بالقيمة لعظمة الله وخطورة ما هو مقبل عليه من أمور الآخرة، ويظل يتلهي ويقتل وقته حتى يضيع عمره ويأتيه لحظة الموت: (( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ(1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ )) [1] ، وتتحول حياة الإنسان إلى نوع من الهروب عن الإحساس بالقيمة، فيتلهى بالدنيا وينشغل تفكيره بها حتى يموت، فيكون كما تعيش البهيمة تأكل وتشرب وتنام وتتزوج وتنجب وتذهب وتعود ثم تموت!.

ـ والتلهي معناه تكبير حجم مشاغل الحياة وأمورها، أي التزيين لمشاغل الحياة ومخترعات الإنسان من أشياء مادية أو معنوية وأمور اللهو واللعب، وبالتالي الانشغال بها والتلهي بها، وكذلك تكبير حجم أمور الدين فيما دون معرفة الله وتحقيق اليقين على حساب معرفة الله وتحقيق اليقين.

ـ فالإنسان إما أن يعيش حياة الهارب من الله المتغافل عنه كأنه لم يسمع عنه، وذلك بأن يتلهى عن الله بالدنيا، فهو يتلهى ويتشاغل: (( مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) ) [2] ، وإما أن يعيش حياة السير إلى الله.

ـ من شغل همه بالآخرة فقد شغل همه بشيء واحد فقط، ولكن من شغل همه بالدنيا فقد فتح على نفسه آلاف الهموم فهذه هي طبيعة الدنيا، فكلما دخل من باب وجد أبواب أخرى كثيرة، ويظل تتشعب به الهموم حتى يهلك، ففي الحديث: (( من جعل الهم هما واحدا كفاه الله هم دنياه ومن تشعبته الهموم لم يبال الله في أي أودية الدنيا هلك ) ) [3] ، فطبيعة الدنيا عبارة عن متاهة كلما سرت في طريق وجدت طرقا أخرى فدائما يستجد لك فيها هموم أخرى وآمال أخرى ومتاعب أخرى، ففي الحديث: (( خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا، وخط في وسط الخط خطا، وخط خارجا من الخط خطا، وحول الذي في الوسط خطوطا، فقال هذا بن آدم وهذا أجله محيط به، وهذا الذي في الوسط الإنسان وهذه الخطوط عروضه إن نجا من هذا ينهشه هذا، والخط الخارج الأمل ) ) [4] أي يموت ولا يزال عنده تمني وآمال لم تتحقق، فيظل الشيطان يلهيه حتى يموت.

ـ فالتلهي بالدنيا يؤدي إلى الانشغال عن الآخرة كأنها ليست مهمة، فتكون نظرة الإنسان للآخرة مثل نظرته لأي شيء غير مهم أو أي شيء لا ينفع ولا يضر، فيفقد اليقين الحقيقي بالآخرة.

ـ جاء في تفسير ابن كثير: (((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) .... يقول تعالى آمرًا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره وناهيا لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك ومخبرًا لهم بأنه مَن إلتَهَى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خُلِقَ له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة )) [5] .

ـ وهذا الاختبار الذي خلقنا من أجله هو اختبار صعب لأن المطلوب من الإنسان أن يسير عكس شهواته ورغباته فيجعل نفسه خاضعة لله، فالإنسان إما أن يخالف هواه ويتبع الشرع أو يخالف الشرع ويتبع الهوى، ومخالفة ما تهوى النفس وما تشتاق وما تحب أمر صعب جدا على النفس ولكنه برهان على عدم عبادة الإنسان لهواه وما ترغبه نفسه.

ـ فقد جعل الله الحياة الدنيا مليئة بالعقبات، فالدنيا مزينة والشهوات مزينة وتدعو الإنسان للغفلة عن الله، وجعل الله النفس تميل للشهوات، ويبتلى الله الناس بالابتلاءات ليختبرهم سواء يبتليهم بأن يعطيهم من متع الدنيا أو يبتليهم بأن يسلب منهم الدنيا.

ـ الإنسان لا يبتعد عن الدين لأنه ضد الدين ولكن لأنه يريد الشهوات ولا يريد أن يقوم بضد ما تشتهيه النفس، والدين ضد الشهوات لذلك يتغافل عن أمر الدين متجها إلى الشهوات.

ـ جعل الله أعداء للإنسان من الشيطان والنفس والهوى ومن شياطين الإنس، وهؤلاء يصدون الإنسان عن الحق، وقد جعل الله هؤلاء الأعداء كنوع من الاختبار ليرى الله هل ستستجيب لهم أم ستنجح في الاختبار.

(1) التكاثر: 1، 2

(2) الأنبياء: من الآية 2،3

(3) حديث حسن (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم: 3170)

(4) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 635، برقم 2454)

(5) تفسير ابن كثير (ج: 8، ص: 133)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت