ـ فالدنيا دار اختبار وكل شيء موضوع فيها للاختبار، فالمال فتنة وشهوة النساء فتنة، وشهوة الطعام والشراب فتنة، والأولاد فتنة: (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ) [1] ، بل إن كل شيء فتنة سواء كان خيرا أو شرا: (( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) ) [2] ، (( فَإِذَا مَسَّ الْإنسان ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) ) [3] ، والابتلاءات هي اختبار يكشف حقيقة ما في النفس: (( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ )) [4] ، (( وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ) ) [5] ، وفي الحديث: (( إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ ) ) [6] ، وفي حديث آخر: (( احذروا الدنيا فإنها خضرة حلوة ) ) [7] .
ـ وفي تفسير السراج المنير: (( ولما كانت النفس ميالة إلى الدنيا مرهونة بالحاضر من فاني العطايا، وكان تخليها عن ذلك هو الموصل إلى حريتها المؤذن بعلو همتها قال تعالى مؤكدًا إيذانًا بصعوبة ذلك:(وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) ... ثم علل تعالى تمتعهم بقوله تعالى: {لنفتنهم فيه} أي: لنفعل بهم فعل المختبر، ... وقال أبو الدرداء: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له، وعن الحسن: لولا حمق الناس لخربت الدنيا، وعن عيسى ابن مريم عليه السلام: لا تتخذوا الدنيا دارًا، فتتخذكم لها عبيدًا )) [8] .
ـ ومن الاختبار أن الله جعل في الناس الغني والفقير، والمعافى والمبتلى، وصاحب الجاه والخادم، وذلك من أجل الاختبار، ففي تفسير القرطبي: (( قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} أي إن الدنيا دار بلاء وامتحان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الصابر فتنة للغني، ومعنى هذا أن كل واحد مختبر بصاحبه؛ فالغني ممتحن بالفقير، عليه أن يواسيه ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغني، عليه ألا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق؛ كما قال الضحاك في معنى {أَتَصْبِرُونَ} : أي على الحق، وأصحاب البلايا يقولون: لم لم نعاف؟ والأعمى يقول: لم لم أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره، وكذلك العلماء وحكام العدل، ألا ترى إلى قولهم {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى، ويحقر المعافى المبتلى. والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه هذا عن البطر وذاك عن الضجر، {أَتَصْبِرُونَ} محذوف الجواب، يعني أم لا تصبرون ) ) [9] .
ـ فالله جعل الإنسان في حاجة إلى المال والأولاد وأمور الحياة، وطالبه بالعمل للكسب وبتربية أولاده وطالبه بأمور تختص بصلته بالناس وأمور الدنيا، وطالبه أيضا بفرائض الدين وأوامره، وفي نفس الوقت طالبه ألا يشغله كل ذلك عن تحقيق اليقين الحقيقي بالله والآخرة، فهذه الأمور التي يطلبها الله من الإنسان هي اختبار ليرى الله هل ستشغله عن الله أم لا: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) ) [10] .
ـ فرغم أن الدنيا لهو ولعب إلا أن الله أمرنا بالحلال من الشهوات والأعمال الدنيوية والصلة بالناس، ففي تفسير البغوي: (( قوله تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ} اللهو هو: الاستمتاع بلذات الدنيا، واللعب: العبث، سميت بهما لأنها فانية. {وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} أي: الحياة الدائمة الباقية، و"الحيوان": بمعنى الحياة، أي: فيها الحياة الدائمة، {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} فناء الدنيا وبقاء الآخرة، يقوم بها الإنسان في العمل للكسب وفي إعداد الطعام وفي اشباع شهوة الجوع بالطعام وإشباع شهوة الجماع مع الزوجة وفي تدبير أمور الدنيا للأبناء وغير ذلك، كل هذه الأعمال لابد منها وفي نفس الوقت هي اختبار ) ) [11] .
ـ لقد خلق الله العقل للإنسان ليستخدمه في التدبر والتفكر لمعرفته وليستخدمه في أمور دينه ودنياه، ولكن من الناس من يقوم بحشو عقله بأمور الدنيا وعلوم الدنيا فقط من غير التدبر لمعرفة قدر الله والآخرة معرفة حقيقية، كما ينشغل بأعمال كثيرة تسرق الوقت والعمر فيلهيه ذلك عن معرفة الله تعالى.
(1) الأنفال: 28
(2) الأنبياء: 35
(3) الزمر: 49
(4) العنكبوت: من الآية 3
(5) العنكبوت: 11
(6) التخريج: صحيح (مشكاة المصابيح ج: 2، برقم: 3086)
(7) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم: 192)
(8) تفسير السراج المنير ـ موافق للمطبوع (ج: 2، ص: 386 ـ 387)
(9) تفسير القرطبي (ج: 13، ص: 18)
(10) المنافقون: 9
(11) تفسير البغوي (ج: 6، ص: 255)