3 ـ الإحساس بأن النفع أو الضرر ليس من صنع الإنسان ولا يحدث من تلقاء نفسه وليست الأسباب هي التي تحدث النفع أو الضرر ولا الأيام ولا الزمان، فكل ما سوى الله لا ينفع أو يضر أحد فضلا عن أن ينفع أو يضر نفسه، ولكن الله وحده هو النافع الضار، فما يكون من نفع فمن فضل الله وليس بسبب طاعة الطائع، وما يكون من ضرر فهو عقاب من الله على تقصير العبد.
ـ اليقين الحقيقي بأن الله وحده هو النافع الضار يؤدي إلى كمال الخوف والحب والرجاء والخضوع:
ـ الشيء الذي لا ينفع ولا يضر هو شيء ليس له قيمة فهو أمر تافه سواء كان شيئا معنويا أو شيئا ماديا، فلا يهتم به أحد ولا ينشغل به ولا يتأثر به أحد.
ـ إذن كل شيء سوى الله لا قيمة له فيجب أن لا تتعلق به مشاعر الإنسان، ولكن ذلك ينطبق على ذات الشيء وليس على ما يستمده من الله أو يتصف به، فمثلا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو عظيم القدر لارتباطه بالله ولأن الله أرسله ولإيمانه وتقواه، فلا يحب لذاته إلا الله تعالى، فحب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو حب في الله، وكذلك العزة بالله، فالمؤمن يستمد عزته من اتصاله بالله والدين، فالمؤمن لا يحب شيء ولا يكره شيء ولا يخاف من شيء إلا في الله.
ـ إذن المؤمن ينظر إلى صاحب الصولجان والجاه والسلطان في الدنيا على أنه تافه لا قيمة له ما لم يكن متصلا بالله فيحب ما فيه من صلة بالله وليس يحب ذاته.
ـ إذن فالمؤمن لا يحب إلا الله ولا يخاف إلا من الله ولا يخضع إلا لله ولا يرجو إلا الله ولا يتوكل إلا على الله، وهذا من كمال الإيمان، فإذا أحب شيئا غير الله (ولكن كان حبه لله أكبر) فذلك من ضعف الإيمان وضعف اليقين الحقيقي بأن الله هو النافع الضار.
فاليقين الحقيقي بأن الله وحده هو النافع الضار يؤدي الشعور بالتسليم والخضوع حيث يعلم الإنسان أنه ضعيف لا يملك لنفسه حول ولا قوة ولا يملك لنفسه نفع ولا ضرر.
ـ كما يؤدي إلى التوكل على الله والشعور بالاحتياج إليه والاعتماد عليه لأن الإنسان لا يستطيع أن يجلب لنفسه النفع ويبعد عن نفسه الضر ويحتاج إلى من يجلب له النفع ويبعد عنه الضرر.
ـ كما يؤدي أيضا إلى عدم وجود مشاعر أو هموم أو أهداف متعلقة بالدنيا أو أي شيء غير الله، لأن الشيء الذي لا ينفع ولا يضر لا قيمة له ولا يهتم به أحد، فلا يخاف من بطش أحد، (( يقول الإمام أحمد: لو صححت قلبك لم تخف أحدا، وهذا العز بن عبد السلام يتقدم أمام أحد الملوك الطغاة، ويتكلم عليه بكلام شديد، فلما مضى قال له الناس: أما خفت يا إمام، فقال: تصورت عظمة الله، فأصبح عندي كالهر، والآن نرى من الناس من يخاف من المسئول والضابط وغيرهما أكثر من خوفه من الله، وهذا لا شك دخن في قلب صاحبه، والعاقل خصيم نفسه ) ) [1] .
ـ فإذا لم تكن هذه المشاعر السابقة موجودة كحب الله وخوف المهابة منه فهذا يعني أن الاقتناع والإيمان بأن الله هو النافع الضار هو إيمان نظري فقط وليس إيمانا حقيقيا بأن الله هو النافع الضار.
ـ القيادة لها صور مختلفة فقد يكون الإنسان رئيسا أو زعيما أو ملكا من ملوك الدنيا أو مديرا لشركة مثلا أو حتى مسئولا عن أسرته وأولاده، وفي الحقيقة فإن كل صور القيادة بين الناس هي مجازية فقط، وجميع صور القيادة على وجه الحقيقة هي لله، فالله وحده الذي يعطي هذا ويمنع هذا، وهو وحده الذي يتكفل بأمر كل شيء، وهو وحده الذي يأمر وينهى (وإنما طاعة الرسول وأولى الأمر تابعة لطاعة الله) ، وكما أن القيادة يكون لصاحبها شرف وعزة ومكانة، فلا أحد له شرف أو عزة أو مكانة أو كبرياء، فالعزة كلها والكبرياء كله لله، وجميع الناس أذلاء فقراء مقهورين ضعفاء.
ـ إذا تصورنا أن الكرة الأرضية عبارة عن دولة واحدة لها ملك واحد، وهذا الملك له كل الصلاحيات وكل السلطات وجميع المناصب وهو الذي يدير كل شيء ويدبر كل شيء في مملكته، فهذا التصور يليق بالبشر فقط أما الله فليس ملكا على الأرض فحسب ولكن على الكون كله وبيده الأمر كله، وهو أيضا المالك الحقيقي لكل شيء في الأرض من مال أو مساكن أو متاجر أو شركات أو جبال!!.
ـ وإذا تصورنا أن هناك دولة لها حاكم يملك كل شيء في مملكته والناس كلهم خدام وعبيد عند هذا الحاكم ليس عندهم مال ولا يملكون حتى الملابس التي يلبسونها، والحاكم لا يعطيهم الطعام والشراب في مقابل خدمته وطاعته وإنما هو مجرد من وعطاء وتكرم ومحض فضل فهم لا يستحقون شيء ولا يملكون شيء، فهذا التصور يليق بالبشر فقط أما الله فهو الملك المتكبر
(1) امتحان القلوب (ج: 1، ص: 39)