فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 168

والماء والبشر هو إله له قدرة خارقة للأسباب، فقدرته فوق قدرة البشر، وكذلك الإنسان يحدث في داخله أمور أكبر من مستوى علمه وأكبر من مستوى قدرته وتتم عن غير إرادته، وكذلك خلق الكون أكبر من مستوى قدرة الإنسان، والدقة المتناهية في كل شيء أكبر من مستوى علم الإنسان، فيشعر بأن هناك قوة خارجية مهيمنة هي التي تسيطر على كل شيء وهي التي تفعل كل هذه الأمور.

ـ مسألة خرق الأسباب أشد من السحر لأن السحر خيال وليس خرق للأسباب، فإذا كان الإنسان عندما يرى السحر أمام عينه فإنه يشعر بالتحير والانزعاج والدهشة والتعجب والاستغراب والانبهار والذهول والدهشة من روعة ما يرى، فإن ذلك يكون أشد إذا كان هذا السحر حقيقة.

ـ فالإله هو الذي تشعر له بهذه المشاعر، أي أن التأله معناه التحير والانزعاج والدهشة والتعجب والانبهار والذهول والاستغراب والدهشة من روعة ما يرى، وهذه المشاعر هي الحالة النفسية المميزة للشعور بخرق الأسباب فإذا لم تكن هذه المشاعر موجودة فهذا يعني عدم وجود الشعور بخرق الأسباب وبالتالي عدم الشعور بالغيبيات وبالتالي عدم وجود الإيمان الحقيقي بالغيبيات، فالإنسان إذا رأى أمرا خارقا للأسباب ولم يتحير ويتعجب دل ذلك على أن لا عقل له وكأنه ليس بإنسان وكأنه ميت لأنه يخالف صفات البشر، وكل شيء حول الإنسان هو أمر خارق للأسباب لأن وجوده فوق قدرة البشر، بل إن وجود الإنسان نفسه لا يستطيعه البشر فهو أمر خارق للأسباب، ومع ذلك يعيش كأنه لا شيء: (( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ(35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ )) [1] .

ـ فمعنى كلمة (إله) في اللغة أي الذي تتحير وتندهش وتتعجب وتعجب وتنبهر من مدى عظمة صفاته والتي تتمثل في خرق الأسباب فتحبه إعجابا بمدى قدرته الهائلة وتخاف من هيبته، ففي النهاية في غريب الأثر: (( ألِهَ يألَهُ إذا تَحَيَّر، يُريد إذا وقع العبد في عظمة اللّه تعالى وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصرف وهمه إليها أبْغَض الناس حتى لا يميل قلبه إلى أحد ) ) [2] ، وفي غريب الحديث لابن قتيبة: (( أَلِهَ يَالَه إذا تحيِّر كأَنَّ القُلوب تالَهُ عند التفكّر في عَظَمة اللّه ... إذا وَقَع العَبْد في هذه الدَّرجَة لم يُعْجِبهُ أَحد ولم يُحبّ إلاّ الله عز وجلَّ َّ ) ) [3] .

ـ ووجود الملائكة والآخرة هي من خرق الله للأسباب، فالإنسان يتحير من عجائب وغرائب الآخرة ووجود ملائكة حولنا الآن، ألا يدعو ذلك إلى التعجب من قدرة الله على إيجاد هذه الحياة الأخروية وإيجاد الملائكة والجن حولنا والخوف من مهابته والحب إعجابا بمدى قدرته.

ـ فإذا لم يحدث الإحساس بوجود الخالق والذي يتمثل في التحير والشعور بالرهبة ولم يحدث خوف المهابة والحب لله تعالى لم يكن الإنسان موقنا يقينا حقيقيا بوجود الخالق رغم وجود اليقين النظري التام بوجود الخالق.

الإيمان الحقيقي بالغيبيات المقصود به الشعور بخرق الأسباب (الشعور بالإعجاز) !، فالقرآن معجزة ونزول الوحي معجزة ووجود الملائكة معجزة ووجود الآخرة معجزة والقضاء والقدر أمر معجز، والأمور المعجزة من معجزات الرسل وإعجاز القرآن والسنة وإعجاز الكون والأشياء دليل على الخالق.

ـ وخرق الأسباب أو الإعجاز معناه أنه أمر فوق قدرات البشر وفوق علمهم وهم عاجزون عن القيام به أو تفسيره في إطار الأسباب، وبالتالي عجز قدرة البشر وعجز علمهم فيخضع البشر لمن له القدرة فوقهم والهيمنة عليهم.

ـ فالإيمان بالخالق المقصود به الإيمان بوجود من له القدرة على خرق الأسباب، والإيمان النظري بخرق الأسباب موجود عند جميع الناس، والإيمان الحقيقي بخرق الأسباب هو الشعور بخرق الأسباب.

ـ وكذلك الإيمان بالملائكة المقصود به الإيمان بوجود كائنات لا نراها وتعيش معنا وفي السماء، وهذا أمر خارق للأسباب، فالإيمان الحقيقي بالملائكة هو الشعور بخرق الأسباب بوجود هذه الكائنات.

ـ وكذلك الإيمان بالرسل المقصود به الإيمان بوجود أحد الكائنات التي لا نراها مرسلة من عند الخالق إلى بعض البشر من سكان الكرة الأرضية، وهذا الكائن هو الوحي وهو مرسل إلى بعض البشر وهم الرسل، فهذا الأمر خارق للأسباب، فالرسول هو مثل باقي البشر، والذي جعله رسولا هو الوحي، ووجود الوحي ونزوله هو أمر خارق للأسباب، فالإيمان الحقيقي بالرسل هو الشعور بخرق الأسباب بوجود الوحي ونزوله.

ـ وكذلك الإيمان بالقرآن المقصود به الإيمان بوصول كلام الخالق إلى البشر من سكان الكرة الأرضية، حيث يسمعه الرسول من الوحي وينقله للناس، فالله لم يتكلم مباشرة إلى الناس فيسمعوا كلامه بآذانهم ولكن عن طريق الوحي ليصل إلى جميع

(1) الطور: 35، 36

(2) النهاية في غريب الأثر (1/ 156)

(3) غريب الحديث لابن قتيبة (3/ 728 ـ 728)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت