مفردات الحياة ومشاغلها، فهذا هو الرضا والاطمئنان بالدنيا: (( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ) [1] .
ـ فيحدث اندماج وتعايش وتأقلم ورضا بقوانين العادات والتقاليد وما تعارف عليه الناس، أي أنه يشعر بالاستقرار في الدنيا فهو بذلك جعل الدنيا دار مقر وليست دار ممر وارتحال، فهو بذلك لا يرجو الآخرة ولا يخافها ولا يحمل هم لقاء الله، أما المؤمن فيشعر بأنه غريب عن هذه الحياة لأنها ليست وطنه فهو غير مطمئن بها ولا يألف المعيشة فيها لأنه يعيش بين غرباء ينتظر الرحيل إلى وطنه وأهله.
ـ أنظر إلى الحالة النفسية والحالة المزاجية والعاطفية لشخص مغترب يريد العودة إلى أهله وزوجته وأولاده ووطنه، أنظر إلى شعوره بالحنين والشوق للعودة ومدي انشغال باله وتفكيره في يوم العودة، إن هذه الحالة النفسية هي التي تسمي شعور بالغربة، فإذا لم يكن عندك هذه الحالة النفسية فإن الآخرة والذهاب إليها لا وجود لها في مشاعرك، إن الشخص الذي في غربة ليست قضيته أن يبحث عن الراحة والطعام والشراب، فإنه ينتظر الراحة والطعام والشراب عند العودة إلى وطنه، أما طعامه وشرابه ومكان نومه وعيشه في بلد الغربة فهو كيفما اتفق يرضي بأي شيء يؤدي الغرض، فهل في شعورك أن الطعام الذي تأكله هو طعام مؤقت وأن السكن الذي تسكن فيه هو سكن مؤقت أم أنك تشعر أنه سكن دائم؟، وهل تشعر بأنك مسافر بلا رجعة أي بعدم الرجوع إلى الدنيا؟، هل لديك شعور بأن هذا السفر هو سفر نهائي وأنه سفر بلا عوده، وقد سبقك إليه الكثيرون والدور في انتظارك، والرحيل مفاجئ وفوري وبلا رجعة؟، وهل تشعر بالترقب والانتظار ليوم العودة إلى وطنك وأهلك هناك في الآخرة؟، وهل تشعر أنك تعيش الآن في بلد الغربة (الدنيا) ؟، إذن فالقضية حاسمة وخطيرة ولا تحتمل التراخي، ولكننا في غفلة، وليس للإنسان أن يجرب أو يتغافل فنحن ضيوف على وجه هذه الكوكبة الأرضية، إذن يتضح الآن أن عالم الغيب في نظرك ليس إلا اقتناع نظري وليس له وجود في مشاعرك، إن الذي لا يشعر بأنه مقبل على عالم آخر فإنه يعيش كأنه لن يموت، فالموت عنده مجرد اقتناع نظري، وعندما يأتيه الموت يشعر أنه هو النهاية، ولا يريد أن يموت، ويكره مَنْ يقبض روحه، إنها ليست موعظة ورقائق ولكنها حقائق ومشاعر حقيقية في النفس، لذلك أنظر هل عندك فعلا شعور بالغربة والحنين؟، أم أنك تدعي ذلك؟، والشعور بالغربة أمر خطير لأن عدم وجود الشعور بالغربة يعني أن الذهاب إلى الآخرة لا وجود له في مشاعرك.
ـ أنظر إلى الحالة النفسية لشخص سجين، إنه يشعر بالحنين إلى أهله ووطنه، ويشعر بالضيق مما هو فيه، فهذا حال المؤمن ففي الحديث: (( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) ) [2] ، فهل تشعر في نفسك بالغربة مثلما يشعر الإنسان الغريب أو عابر السبيل أو المسافر أو السجين؟!.
ـ الغربة كعمل:
ـ هي أن يعيش الإنسان معيشة الغريب أو المسافر أو عابر السبيل، فمثلا الشخص الذي يعيش في غربة في بلد ما ليست قضيته أن يبحث عن الراحة والطعام والشراب، فإنه ينتظر الراحة والطعام والشراب عند العودة إلى وطنه، أما طعامه وشرابه ومكان نومه وعيشه في بلد الغربة فهو كيفما اتفق يرضي بأي شئ يؤدي الغرض، فإن الذي يري أن طعامه إنما هو في الآخرة فإنه لا يهتم كثيرا بطعام الدنيا فهو كيفما اتفق، وإنما هو يأخذ زاد المسافر، وكذلك سكن الدنيا ومتطلباتها، ففي الحديث: (( عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا فقال ما لي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها ) ) [3] ، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا لَنَا فَقَالَ: مَا هَذَا؟، فَقُلْتُ خُصٌّ لَنَا وَهَى نَحْنُ نُصْلِحُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( مَا أُرَى الأمر إِلاَّ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ ) ) [4] ، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يقول: (( إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس وإنها أيام قلائل ) ) [5] .
(1) يونس: 7، 8
(2) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 562، برقم 2324)
(3) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3283)
(4) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجة ج: 2، ص: 1393، برقم: 4160)
(5) سير أعلام النبلاء (ج: 11، ص: 215) ، وفي صفوة الصفوة (ج: 2، ص: 345)