فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 168

ـ إن خطورة الإحساس بقدر كلمة"إله"هو أنه من شعر بكلمة إله ورضي بها فهذا معناه أن يعيش حياته رهينا خاضعا له، أي تصبح وظيفته في الحياة ومهمته الأولى التي يكرس حياته من أجلها وهدفه الأكبر وغايته هي أن يعمل عند الله عبدا كما يعمل الخادم عند سيده فيعيش عمره كله على هذا، فهذا اختار أن يكون عبدا لله، أما غيره فاختار أن يعيش حرا كأن لا أحدا يملكه ولا يتبع لأحد وكأنه هو الذي أوجد نفسه أو لا أحد أوجده.

ـ والإنسان حتى وهو يعمل الطاعات يخاف من عدم القبول، ففي الحديث: (( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} قالت عائشة هم الذين يشربون الخمر ويسرقون قال لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات ) ) [1] .

ـ خطورة الخوف والرجاء:

ـ إذا لم يكن لقاء الله والآخرة هدفا للإنسان يترقبه ويرجوه ويخافه فهذا يعني عدم وجود الإيمان الحقيقي بالله والآخرة، فلابد أن يكون الهدف الأكبر الذي يعيش المرء حياته من أجله هو الله.

ـ الإنسان يعمل من أجل مصلحته وما فيه النفع له، فإن كان لا يشعر بالنفع ولا يشعر بما فيه مصلحته في الجنة فإنه سوف يري أن العمل للآخرة تكاليف وأعباء فيتثاقل، وهو يقول بمشاعره أن السعادة إنما هي في المال والمتع والمظاهر والممتلكات والمادة، وإن كان مقتنعا نظريا أن السعادة الحقيقية إنما هي في الجنة، وأن هذه الدنيا أعراض زائلة، لكن هذا في الاقتناع النظري فقط، فمشاعره تتفاعل إيجابا وسلبا فرحا وحزنا بمفردات الحياة من مال ومتع ومظاهر ... الخ، بينما لا تتفاعل مشاعره بالغيبيات.

ـ لاحظ أن كل الأمور التي يخاف الإنسان منها خوف العقاب فهو يخاف أيضا منها خوف المهابة لخطورتها، والعكس غير صحيح.

ـ الطالب في الثانوية العامة الذي ينتظر النتيجة يكون عنده رجاء واشتياق وتتطلع إلى النجاح والوصول إلى كليات القمة، ويكون عنده خوف وقلق واضطراب من الرسوب.

ـ أنظر إلى طالب في الثانوية العامة، فإنه قد يأخذ حالة طوارئ ويتهيأ نفسيا لأنه أمر مصيري يتحدد عليه مستقبله، إنه يكون في قلق واضطراب وخوف وترقب حتى تظهر النتيجة، إن الحالة النفسية التي عنده هي التي تسمي خوف وقلق، فإذا كنت تدعي الخوف من الآخرة فهل عندك هذه الحالة النفسية؟، وأنظر إلى حالته وهو في انتظار النتيجة، أنظر إلى حالته المزاجية وانشغال باله بالنتيجة، فإن الشعور الحقيقي يظهر علي الوجه ويؤثر في وجدانه وربما يأرق من النوم وتقل شهيته للطعام.

ـ أنظر إلى إنسان مطلوب منه أن يقوم بعمل معين وإلا يتعرض مثلا للفصل من العمل، أنظر إلى حالته النفسية قبل وأثناء وبعد تأدية العمل فتجد حالة نفسية مميزة للخوف، وأنظر إلى قوة هذه الحالة النفسية واستمراريتها وانشغال البال بها، وحتى بعد العمل يظل خائفا هل أداه علي ما يجب أم أنهم لن يرضوا عن هذا العمل.

ـ مثال آخر: هل خوفك من القيام بعمل يعاقب عليه القانون مثل خوفك من القيام بمعصية، فأين خوفك من عقاب الله، وهل ندمك وحزنك على الوقوع في معصية مثل حزنك على ضياع مائة جنيه مثلا، وهل الحالة النفسية التي تشعر بها في هذا مثل هذا؟!.

ـ لو كنت تدعي أن هناك أحدا من الناس يتعقبك ويريد قتلك ثم أنت لا تشعر بالخوف من ذلك فأنت كذاب، كذلك إذا كنت تدعي بوجود الآخرة بما فيها من أهوال وعقاب ولم تخف خوف المهابة وخوف العقاب فأنت كذاب، فالآخرة مثل الجيش الذي يهجم عليك ليقتلك، ففي الحديث: (( مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبته طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق ) ) [2] ، فهل عندك الحالة النفسية للذي يهرب من الجيش المقبل عليه ليفتك به.

ـ الإنسان الذي يعيش من أجل الدنيا كلما مر عليه يوم شعر بأنه اقترب من تحقيق طموحه الدنيوي فيزداد نشاطا للدنيا، والذي يعيش منتظرا لقاء الله كلما مر عليه يوم شعر بأنه اقترب من الموت ولقاء الله، فالرجاء فيه شوق وحنين وفرح وحب وتطلع وانطلاق وانشغال البال بالهدف الذي تسعى إليه، فإذا كنت تدعي أنك ترجو الله واليوم الآخر فهل عندك مثل الحالة النفسية التي تكون عند من يرجو ويهدف إلى القيام بعمل دنيوي كمشروع تجاري أو السعي لمنصب أو جاه أو شهوة.

(1) قال الشيخ الألباني: حسن صحيح (جامع الترمذي ج: 5، ص: 327، برقم 3175)

(2) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 5860 في صحيح الجامع)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت