فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 168

ـ تخيل أننا الآن في الجنة ونذكر أيام الدنيا وما كان فيها، فما قيمتها وما قدرها عندئذ؟، إنها كانت أيام قليلة وحياة ضئيلة انتهت ولا قيمة لها، أما نحن الآن (في الجنة) فهذه هي حقا الحياة نعيش فلا نموت ولا نمرض ونتمتع كيفما نشاء.

ـ أنظر إلى مدي أن الله جميل بحيث يكون النظر إلى الله تعالى لذة أعظم من كل لذات الجنة، فهل من مشتاق إلى الجنة من أجل أن يستمتع بلذة النظر إلى وجه الله تعالى.

ـ إن الجنة هي المتع والشهوات لمَنْ لا يفهمون إلا لغة المتع والشهوات، وإن الجنة هي التجارة الرابحة لمَنْ لا يفهمون إلا لغة التجارة والمكسب والخسارة، وهناك فرق بين مَنْ يقتنعون بأنها المتع وبأنها تجارة، وبين مَنْ يشعرون بأنها فعلا شهوات مثل شهوات الدنيا ولكنها الشهوات الحقيقية وبلا حدود وتجارة مثل تجارة الدنيا ولكنها التجارة الرابحة وبلا حدود: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ) [1] ، إن متع الدنيا تجد المشتاقون إليها فأين المشتاقون إلى الجنة؟ ذلك لأن الجنة غير موجودة في المشاعر، ومَنْ يدعي أنه يشتاق إلى الجنة وليس عنده نفس الحالة النفسية لشخص يشتاق إلى محبوبه فهو كذاب.

ـ إذا نظر الإنسان إلى منزل جميل واسع أو شقة جميلة واسعة بها كل أدوات الترفيه والراحة أو إذا نظر إلى سيارة فارهة أو قصر مشيد أو .... الخ، فإن الإنسان قد يحدث عنده شعور بالانبهار والإعجاب والشوق لأن يكون عنده مثل ذلك، وقد يسعى سنوات طويلة وعنده طول أمل أن يحصل على سيارة فارهة أو شقة واسعة أو الخ، إذن هذا الإنسان بداخله أمل وشوق وشعور بالإعجاب والانبهار، فإذا كانت الجنة أفضل من الشقة الواسعة أو السيارة الفارهة أو ... الخ، فلماذا لا يشعر الإنسان بهذا الإعجاب وهذا الأمل والشوق للوصول إليها؟، ذلك لأن الجنة غير موجودة في المشاعر، ففي المشاعر هي خيال أو وهم أو شيء مصنوع من البلاستيك لا معنى له، أو شيء بعيد الاحتمال تماما أو كلاما نظريا فقط كأساطير الأولين، رغم وجود الاقتناع النظري التام واليقين النظري التام والإيمان النظري التام بوجود الجنة، فذلك اقتناع كاذب ويقين كاذب وإيمان كاذب بوجود الجنة والوصول إليها.

ـ نعيم الدنيا مجرد تشابه في الأسماء، ففي الحديث: (( ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء ) ) [2] ، أما النعيم الحقيقي فهو في الجنة: (( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ) [3] .

ـ إن شهوات الدنيا ضئيلة حتى وإذا حاول الإنسان أن يكثر منها فإن اللذة منها تقل عندئذ حتى تنتفي كأن يكثر من الطعام أو الشراب أو الجماع أو ينظر إلى عورات النساء، بل يتعرض عندئذ للأمراض، كما أن المتع تقل مع كبر عمر الإنسان خاصة عندما يصل إلى الشيخوخة ويعود إلى الضعف مثلما كان طفل ضعيف، ولذلك يقول تعالى: (( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ) ) [4] ، أما في الجنة فلا يحدث أن تقل اللذة مهما أكثر الإنسان من ألوان المتع: (( لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ ) ) [5] ، إن شهوات الدنيا كما أنها ضئيلة فليست سهلة المنال أيضا ولابد من السعي والتعب، فالحصول على الدنيا ليس أمرا سهلا، فإن المتنافسين على الدنيا كثير وطلاب الدنيا كثير، وهم يتقاتلون ويتشاحنون عليها، ويتشبثون بها بأيديهم وأسنانهم، ومن يأتي بينهم ليتنافس على الدنيا لا يرقبون فيه إلا ولا ذمة فيأكلوه، ورغم أن متاع الدنيا قليل لكن الشيطان يزين للإنسان كل ما هو حرام لكي يجره إلى أن يقع فيه فيصور له أن في ذلك نفع عظيم له أو متعة عظيمة له كما فعل مع آدم عليه السلام: (( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) ) [6] ، ومهما فعل الإنسان فالدنيا دار شقاء: (( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإنسان فِي كَبَدٍ ) ) [7] ، أما شهوات وطعام وفواكه الجنة (( لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ) ) [8] .

ـ فلا يتحقق الإيمان حتى يزول تعظيم قيمة المال وقيمة الشهوات الدنيوية وقيمة الطعام والشراب الدنيوي في نظر الإنسان، وحتى تكون شهوات الجنة لها قيمة حقيقية في النفوس وقدر وأهمية، بمعنى أن تكون قيمة شهوات الجنة وما فيها من نعيم دائم أعظم بكثير من قيمة ما في الدنيا من شهوات فانية، فيؤدي ذلك إلى أن يكون تعلق المشاعر بالله والآخرة أكبر، فهو بذلك يرى الآخرة أفضل وأدوم: (( وَلَلْآخِرَةُ أكبر دَرَجَاتٍ وَأكبر تَفْضِيلًا ) ) [9] ، (( وَالآخرة خَيْرٌ وَأَبْقَى ) ) [10] .

ـ لا يتحقق الإحساس بقدر عظم السعادة في الجنة وعظم الألم في النار إلا إذا تحقق الإحساس بقدر ضآلة متع الدنيا وضآلة آلام الدنيا، أي ضآلة حجم شهوة المال وضآلة حجم شهوة النساء وضآلة حجم شهوة الطعام والشراب وضآلة حجم شهوة الزعامة والمناصب والمظاهر وهكذا، وكذلك ضآلة حجم أي آلام أو متاعب أو مشاكل أو ضيق في الدنيا، إذن الإحساس بقدر خطورة

(1) الصف: 10،11

(2) حديث صحيح (صحيح الجامع ـ برقم 5410)

(3) البقرة: 25

(4) يّس: 68

(5) الواقعة: 19

(6) طه: 120

(7) البلد: 4

(8) الواقعة: 33

(9) الإسراء: من الآية 21

(10) الأعلى: 17

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت