ـ تخيل مكانا ما به كل ألوان المتع والملذات من نساء وخمور ورقص وطعام وشراب، فإن الجنة بها أعجب من كل ذلك، فلماذا لا تشعر بجب الجنة وتشتاق للوصول إلى متعها؟، أين الرغبة الحقيقية والشوق إلى الجنة؟، ففي الحديث: (( قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة عين} ) ) [1] .
ـ تخيل لو علم الناس بوجود كنز كبير يمكن الوصول إليه، تصور كيف ستكون مشاعرهم متجهة بالشوق للوصول لهذا الكنز، وسوف يشغل ذلك الكنز بالهم وأكثر همهم، فالجنة كنز حقيقي هائل لا ينفد فلماذا لا تتجه إليه المشاعر والتطلعات مثلما تتجه لكنز من كنوز الدنيا؟، ذلك لأن ذلك الكنز الحقيقي (الجنة) في مشاعر البعض إنما هو كلاما نظريا فقط كأساطير الأولين!!.
ـ تخيل إنسان يعود من الشيخوخة إلى الشباب ولا يمرض ولا يموت ولا يوجد ما يعكر مزاجه أو يشغل باله في جنات النعيم، وفي الحديث: (( إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والشهوة والجماع ) ) [2] ، وفي حديث آخر: (( يعطى المؤمن في الجنة قوة مائة في النساء ) ) [3] ، فالجماع في الجنة مائة ضعف الجماع في الدنيا وهو في ريعان الشباب (في سن 33 سنة) ويستطيع الإنسان ذلك لأنه يعطى قوة مائة ففي الحديث: (( يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع قيل يا رسول الله أو يطيق ذلك قال يعطى قوة مائة ) ) [4] ، وفي حديث آخر: (( يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا كأنهم مكحلون أبناء ثلاث وثلاثين ) ) [5] ، وفي حديث آخر: (( ينادي مناد إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قوله تعالى {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} ) ) [6] ، وفي حديث آخر: (( ... قال فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن ) ) [7] ، لماذا لا تشعر بالحب لأن تكون كذلك، إن الإنسان الذي يعيش للدنيا هدفه أن يأكل ويشرب ويتمتع بكل ألوان الراحة، وكذلك الإنسان الذي يعيش للآخرة يريد أن يأكل ويشرب ويتمتع بكل ألوان الراحة ولكن أي طعام وأي متعة، إنه يريد المتع الحقيقية التي لا تفني والتي لا يحيطها مخاوف بالمرض أو الشيخوخة أو الموت أو سلب النعمة، إنه يريد المتع الدائمة والشباب الدائم وحياة لا يموت فيها ولا يمرض، وحياة بها الفاتنات الحسناوات من الحور العين، ومن أدعية الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ... وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضاء بالقضاء وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ... ) ) [8] ، إذن فأي عاقل مَنْ يعيش لذة المتع الضئيلة الفانية في الدنيا، فالذي يؤثر الدنيا هو إنسان غبي لا يشعر بخطورة الآخرة: (( فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فإن الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فإن الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى ) ) [9] ، فالذي يشعر بنعيم الجنة وألوان المتع فيها لا يمكن بحال من الأحوال أن يؤثر متع الدنيا الفانية، وفي الحديث: (( مَنْ أحب دنياه أضر بآخرته ومَنْ أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى ) ) [10] ، وفي الحديث: (( ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ) ) [11] فمن أراد الآخرة فإنه تلقائيا يترك زينة الدنيا، وعن وهب بن منبه قال: (( مثل الدنيا والآخرة كمثل رجل له ضرتان، إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى ) ) [12] ، وفي الحديث: (( التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة ) ) [13] .
ـ تأمل قوله تعالى: (( لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) ) [14] ، فكل ما تتمنى يتحقق فورا وتراه حقيقة وليس سحرا، فقد ورد أن رجلا من أهل الجنة اشتهى أن يزرع فبذر فنما الزرع سريعا وكان كالجبال ففي الحديث: (( عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحدث وعنده رجل من أهل البادية، إن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له ألست فيما شئت؟ قال بلى ولكن أحب أن أزرع فبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده فكان أمثال الجبال، فيقول الله تعالى دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء ) ) [15] ، وفي حديث آخر: (( المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه في ساعة واحدة كما يشتهى ) ) [16] .
(1) متفق عليه (مشكاة المصابيح رقم 5612)
(2) حديث صحيح (صحيح الجامع رقم 1627)
(3) حديث صحيح (صحيح الجامع برقم 8106)
(4) قال الشيخ الألباني: حسن صحيح (رواه الترمذي برقم 2536)
(5) حديث صحيح (صحيح الجامع برقم 8072)
(6) قال الشيخ الألباني: صحيح (رواه الترمذي ـ رقم 3246)
(7) متفق عليه (مشكاة المصابيح، رقم 4628)
(8) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن النسائي ج: 3، ص: 55، برقم 1306)
(9) النازعات: 37 ـ 40
(10) صحيح الترغيب والترهيب (3247)
(11) قال الشيخ الألباني: حسن (جامع الترمذي ج: 4، ص: 637، برقم 2458)
(12) الزهد (ج: 1، ص 65)
(13) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن أبو داود ج: 4، ص: 255، برقم 4810)
(14) قّ: 35
(15) حديث صحيح (رواه البخاري ـ برقم 5653)
(16) قال الشيخ الألباني: صحيح (رواه ابن ماجه ـ برقم 4338)