فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 168

الله وعلمه وقوته كأنه ينظر إلى أمر لا قيمة له، وكذلك نظرته إلى خطورة معنى أن له ربا وأنه عبد، ونظرته إلى خطورة الآخرة، ونظرته إلى الكون من حوله وما يدل عليه من قدرة الخالق، كأنها أمور نظرية وليست حقيقية، ورغم أنه يعلم أنها أمور خطيرة لكنه يتجاهل ذلك ولا ينظر إليها نظرة اهتمام مثلما يهتم الإنسان بالأمر الخطير، فالإنسان عندئذ لا عقل له لأنه لا يشعر بحقائق الأشياء من حوله.

ـ فإذا لم يشعر الإنسان بحقيقة قيمته هو نفسه من الضآلة وحقيقة قيمة المال والشهوات والمناصب والمظاهر والدنيا من الضآلة ولم يشعر بحقيقة قيمة قوة الله وقدرته وعظمته من العظمة وحقيقة خطورة الآخرة من العظمة فلن تتفاعل مشاعره وهمومه وأهدافه بالله والآخرة، فلن يشعر بالخوف من الله والخضوع له ورجاءه والخوف من الآخرة، في حين ستتعلق مشاعره وهمومه وأهدافه بالشهوات والمال والمظاهر وهموم الدنيا فيكون خوفه وخضوعه ورجاءه في الدنيا وتوكله عليها.

ـ فإذا شعر الإنسان بأنه ضعيف وبأن الدنيا ضئيلة وشعر بقدرة الله وخطورة الآخرة فعندئذ فقط يتحقق الخوف من الله والخضوع له ورجاءه، وعندئذ فقط يتحقق الإيمان الحقيقي.

ـ أمثلة توضيحية تبين مفهوم الإحساس بالقيمة:

ـ مثال (1) : لو قيل لك أن في يدك الآن قنبلة، فلو أنك عرفت أنها قنبلة من غير أن تشعر بقيمتها وخطورتها الشديدة وبالتالي لم تشعر بالخوف فهذا معناه أن معرفتك هذه هي معرفة نظرية فقط وليست معرفة حقيقية لأنك غيرت خصائص القنبلة فأصبحت في شعورك لا تضر، فبقي منها الاسم فقط كأنها لعبة أو كوره على شكل قنبلة.

مثال (2) : لو قالوا لك أن أباك قد مات، فلو علمت ذلك بطريق الاقتناع النظري فقط فإن هذا الأمر عادي، فهو مجرد معلومة عرفتها، ولكن الإنسان الطبيعي يعرف هذا الأمر بطريق الإحساس بقيمتها، فيشعر بمدي ما في هذا الأمر من أهمية وخطورة وأنه خبر غريب ومفاجئ، فيشعر بأنه سيحرم من والده للأبد، ويتذكر كذا وكذا فيشعر بالذهول والحزن والضيق.

ـ مثال (3) : الوردة قد ينظر إليها الإنسان وهو يعرف بأن ألوانها جميلة لكن لا تلفت انتباهه أصلا، وقد ينظر إليها آخر فيتذوق مدي ما فيها من جمال فتتفاعل مشاعره ويستمتع بها.

ـ مثال (4) : الذي يدخن وهو مقتنع تماما بأن التدخين ضار جدا بالصحة كما هو مكتوب علي علبة السجائر، لكنه لا يشعر بمدي خطورة ذلك الأمر ولا يرضى به ولا يعجبه، لذلك فهو يدخن.

ـ مثال (5) : أنت إذا وقفت أمام أسد حقيقي ولم تشعر بخطورة الأمر فلم تشعر بالخوف فهذا معناه أن هذا الأسد في حقيقته بالنسبة لك هو تمثال أو صنم، والفرق بين الأسد الحقيقي والأسد الصنم أن الأخير لا ينفع ولا يضر، وهما مشتركان فقط في الاسم، فالأول له إسم حقيقي والثاني له اسم مخترع ما أنزل الله به من سلطان، لذلك عاب الله علي قوم يعبدون أصنام لا تنفع ولا تضر (( قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شيئا وَلا يَضُرُّكُمْ ) ) [1] .

ـ فكذلك معنى أن يعلم الإنسان أن له ربا وإلاها يعني أن هناك أحدا غير الإنسان لا تراه ذو قدر وقدرات هائلة فوق قدرات الإنسان وأنت وما تملك عبارة عن جزء من ممتلكاته وكل أمرك بيده ألا يدعوا ذلك إلى أن ترهبه وتخافه وتشعر بالذل والضعف أمامه، فإذا لم تشعر بالخوف من الله، فهذا يعني أن الله في نظرك مجرد اسم متشابه مع الاسم الحقيقي، فالشيء الذي لا يؤثر على مشاعر الإنسان هو شيء لا ينفع ولا يضر كالصنم، وعدم الخوف ينشأ من غياب الإحساس بالقيمة.

ـ فكلمة (إله) في اللغة أي الذي تتحير وتندهش من مدى قدرته وعظمة صفاته ففي النهاية في غريب الأثر: (( ألِهَ يألَهُ إذا تَحَيَّر، يُريد إذا وقع العبد في عظمة اللّه تعالى وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصرف وهمه إليها ) ) [2] ، وفي غريب الحديث لابن قتيبة: (( أَلِهَ يَالَه إذا تحيِّر كأَنَّ القُلوب تالَهُ عند التفكّر في عَظَمة اللّه ) ) [3] ، وعندئذ يفيق الإنسان من الغفلة.

ـ مثال (6) : لو قيل لك أن هناك اثنين من الكائنات الفضائية العملاقة يسيران معك في كل لحظة وهما في صورة اختفاء فلا تستطيع رؤيتهما ويحملان كاميرات مراقبة خفية ويسجلان عليك كل حركة وسكنه وكل كلمة حيث تحاسب على كل شيء، إنك عندئذ تشعر بخطورة الأمر، فأنت تعيش وصورة هذه الكاميرات وهي ترصدك لا تفارق ذهنك في كل أعمالك، أما لو قيل أن هناك ملكين يسجلان عليك كل شيء فقد تنظر إلى ذلك كما تنظر إلى أمر تافه لا قيمة له أو كأنه أمر لا يخصك فلا تشعر بأي قيمة أو خطورة لهذا الأمر فهذا يدل على أن اليقين بوجود الملكين هو يقين نظري فقط.

(1) الأنبياء: 66

(2) النهاية في غريب الأثر (1/ 156)

(3) غريب الحديث لابن قتيبة (3/ 728 ـ 728)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت