ينظر إليه نظرة انتباه واهتمام ونظرة انبهار وإعجاب وتعظيم وتقدير لعظيم قيمته، فإذا كان الشيء ليس فيه قدرة على النفع أو الضرر فلا يلفت ذلك نظره أصلا ولا يستشعر في ذلك أثر أو أهمية.
ـ فالإحساس بالقيمة للشيء الخطير هو الذهول والانزعاج من اكتشاف المفاجئة المذهلة، فيحدث ذلك عند اللحظة التي ينتقل فيها الإنسان الغائب عن الوعي إلى الوعي واليقظة فيفيق، أو اللحظة التي ينتقل فيها الإنسان النائم إلى اليقظة والصحو، فإذا كان الإنسان غافلا عن أمر ما يتعامل معه كأنه معدوم القيمة ثم ينتبه فيكتشف مفاجأة مذهلة ينزعج لها قلبه فيكتشف أنه أمر غاية في الخطورة والأهمية، أو العكس، أي إذا كان غافلا عن أمر ما يتعامل معه كأنه ذو قيمة كبيرة ثم ينتبه فيكتشف مفاجئة مذهلة ينزعج لها قلبه فيكتشف أنه أمر تافه بسيط، وفي الحالتين يكتشف أنه كان مغفلا مخدوعا في منتهى الغفلة، فمثلا إذا لم يحدث للإنسان في حياته الدنيوية إحساس بالقيمة لخطورة الآخرة فإنه يوم القيامة يكتشف أنه كان مغفلا ويشعر بقيمة الآخرة ولكن بعد فوات الأوان: (( لَقَدْ كنت في غفلة من هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ) [1] ، فالناس في غفلة فإذا ماتوا انتبهوا.
ـ فالإحساس بالقيمة للدنيا وللغيبيات معناه أن الإنسان يكتشف أمور مذهلة ويكتشف أنه كان أعمى لا يرى شيئا وكان بلا عقل لما يرى من الحقائق المذهلة، فقد كان نائما والجيش مقبل عليه ليقتله ثم أفاق والجيش يدهمه، ففي الحديث: (( مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبته طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق ) ) [2] .
ـ فالإحساس بالقيمة للدنيا وللغيبيات هو شعور بالتحير والانزعاج والدهشة والتعجب والاستغراب من روعة الانبهار والذهول والدهشة من مدى عظمة الخالق وصفاته الخارقة للأسباب ومن عجائب وغرائب الآخرة التي هي حياة فوق مستوى الخيال ومن مدى ضآلة الدنيا وضعف الإنسان.
ـ والإحساس بالقيمة للدنيا وللغيبيات يقترب من مفهوم (اليقظة) التي عرفها ابن القيم بأنها انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين [3] ، فمثلا مجرد المعرفة النظرية بالآخرة لا يكفى، ولكن عندما ينتبه إلى مدى خطورة الآخرة في أنها مصيره وحياته وأنه راحل إليها فيحدث له انزعاج ودهشة وعجب وغرابة من روعة ما عرف فكأنه أفاق ويكتشف أنه كان فاقد الوعى عن خطر الآخرة، ويكتشف أنه كان في غفلة من هذا فيفيق من رقدة الغافلين ويستيقظ من نومه، ولذلك ففي الحديث: (( ما رأيت مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها ) ) [4] ، وهذا النائم يحتاج إلى اليقظة والإحساس بالقيمة لمدى خطورة الآخرة وألم النار ولذة الجنة وقدر الله ليفيق.
ـ وغياب الإحساس بالقيمة لحقيقة ضآلة الدنيا معناه أن تكون نظرة الإنسان للمال وأصحاب الثروات نظرة انبهار وإعجاب وتعظيم وتقدير لعظيم قيمته، وكذلك نظرته إلى حجم المتعة من شهوة النساء أو النظر إلى العورات، وهكذا، في حين نظرته إلى قدر الله مثل نظرته إلى أي شيء لا ينفع ولا يضر فلا يلفت ذلك نظره أصلا ولا يستشعر في ذلك أثر أو أهمية، وكذلك نظرته إلى الآخرة تكون مثل نظرته إلى الحواديت وهكذا، وكل هذا يختلف عن الاقتناع النظري واليقين النظري التام بعظمة الله وضآلة الدنيا وخطورة الآخرة.
ـ غياب الإحساس بالقيمة (غياب العقل) :
ـ كل شيء له قدر وقيمة، فإما أن يكون عظيم القيمة أو لا قيمة له، والإحساس بالقيمة معناه أن تكون نظرة الإنسان إلى الشيء عظيم القيمة نظرة انبهار وإعجاب وتعظيم لقيمته، وبالتالي ينشغل به همه وتتفاعل به مشاعره ويتأثر به عمله، وتكون نظرة الإنسان إلى الشيء عديم القيمة مثلما ينظر إلى الشيء التافه بعدم اهتمام، وبالتالي لا ينشغل به همه ولا تتفاعل به مشاعره ولا يتأثر به عمله، وهذا هو الإنسان العاقل السوي الذي يشعر بقيمة الأشياء، فإذا نظر الإنسان إلى الشيء التافه نظرة انبهار ونظر إلى الشيء العظيم بلا مبالاة فهو لا عقل له لأنه لا يشعر بقيمة الأشياء، ونوضح ذلك كالتالي:
ـ قدرة الله وقوته وصفاته لها قيمة عظيمة، والآخرة لها قيمة عظيمة، والطاعات والمعاصي لها قيمة عظيمة، بينما المال والشهوات والمناصب والمظاهر والأعمال الدنيوية وقدرة الإنسان ليس لها قيمة بالمقارنة بقيمة قدرة الله وخطورة الآخرة، ولأن جميع هذه الأمور إلى زوال.
ـ فإذا كانت نظرة الإنسان إلى قيمة المال أو الشهوات أو المناصب أو الأعمال الدنيوية أو أمور الدنيا نظرة انبهار وإعجاب وأنها أمور خطيرة وغاية في الأهمية فأصبح يتمناها وتتعلق بها مشاعره وهمومه وأهدافه وعمله، في حين نظرته إلى قدرة
(1) قّ: 22
(2) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 5860 في صحيح الجامع)
(3) مدارج السالكين (1/ 123)
(4) حديث حسن (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3662)