ـ ومن ناحية أخرى فكل من بلغته الدعوة وكان عنده إحساس بالقيمة، فكانت وظائفه سليمة لم تتعطل (قلبه سليم) ، فإنه يؤمن بالضرورة لأن الرسل جاءت بالبينات والحجج الواضحة، فالآيات تبين أن القلب إذا كان سليما غير مطبوع عليه فإنه يقبل الإيمان بمجرد أن يعرفه: (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) ) [1] ، وكل من عطل الإحساس بالقيمة فلن يؤمن: (( وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ ) ) [2] .
ـ مفهوم تعطيل الوظائف المتعلقة بالمعرفة:
ـ العين والأذن والعقل هي أجهزة مسئولة عن استقبال المعلومات والتعامل معها، فيحدث أولا استقبال المعلومة فالعين ترى والأذن تسمع والعقل يفكر، ثم يتم الإحساس بقيمة هذه المعلومة، فإذا تعطلت وظيفة الإحساس بالقيمة فإن الإنسان يرى ويسمع ويفكر ولكن بغير إحساس بقيمة الشيء الذي يراه أو يسمعه أو يفكر فيه، وهذا معناه أن الإنسان يكون جاهلا وغافلا عن هذا الشيء الذي يراه أو يسمعه أو يفكر فيه.
ـ الجهل بأي معلومة يحدث في حالتين هما:
1ـ عدم وصول المعلومة: فالمخبر لم يخبره بالأمر: فمثلا إذا كان هناك قوم لم تبلغهم رسالة الإسلام، فلم تأتي إليهم الرسل لتخبرهم عن الله وعن وجود الآخرة وعن مراد الله منهم، فهؤلاء غير مكلفون لأنهم لم يصل إلى سمعهم شيء، ففي الآية: (( ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ) ) [3] ، (( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) ) [4] .
2ـ وصلت المعلومة ولكن السامع أصم لا يسمع أو مجنون لا يعقل: فمثلا الكفار كانوا يدعون الأصنام والأصنام لا تسمع دعاءهم، فالأصنام ليس لها سمع ولا عقل: (( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ) ) [5] ، ومثل هذا الإنسان الذي فيه مرض في سمعه أو عقله يمنعه من أن يسمع أو يعقل فهو أيضا غير مكلف.
ـ أما التجاهل والتغافل فمعناه أنه يتصنع أحد الأمرين السابقين، أي كأن المعلومة لم تصل إليه، أو وصلت ولكنه أصم لا يسمع، فالتجاهل والتغافل فمعناه أنه سمع الأمر وعلمه ولكنه تجاهله كأنه لم يسمعه ولم يعلمه وكأنه أعمى لا يرى وكأنه أصم لا يسمع وكأنه مجنون لا يعقل وكأنه صنم أو جماد أو ميت ليس فيه حياة، فإذا أخبرته بالأمر فكأنما تخاطب حجرا لا يفقه، وكما يقول الشاعر: لقد أسمعت إذ ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي، فهو بذلك قد عطل وظائفه، وتحديدا هو قد عطل الإحساس بقيمة ما يسمع أو يرى أو يعلم.
ـ وكثيرا ما يطلق عبارات الغفلة والنسيان والعمى والصمم في الشرع ويقصد بها التغافل والتناسي والتعامي والتصام، ففي تفسير معاني القرآن: (( وقوله جل وعز والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا، أي لم يتغافلوا عنها ويتركوها حتى يكونوا بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر ) ) [6] ، وفي تفسير الكشاف: (((وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ) .. ومن يتعام عن ذكره أي: يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتغابى كقوله تعالى:"وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم")) [7] ، وفي تفسير ابن كثير: (( {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي} أي: تعاموا وتغافلوا وتصاموا عن قبول الهدى وإتباع الحق، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36] وقال هاهنا: {وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه ) ) [8] .
ـ فقد تطلق كلمات الجهل والغفلة والنسيان ويقصد بها التجاهل والتغافل والتناسي، مثل الغفلة عن الله ونسيان الله والغفلة عن الآخرة ونسيان الآخرة، فنسيان الله والآخرة معناه التناسي لقدر الله وخطورة الآخرة فهو يعامل الله معاملة الناسي له، ففي تفسير ابن كثير: (( فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا أي يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم به واستبعادكم وقوعه وتناسيكم له إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له، إنا نسيناكم أي سنعاملكم معاملة الناسي لأنه تعالى لا ينسى شيئا ولا يضل عنه شيء بل من باب المقابلة كما قال تعالى:(وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ) )) [9] .
(1) الأنعام: 36
(2) النمل: 81
(3) الأنعام: 131
(4) يس: 6
(5) الأحقاف: 5
(6) تفسير معاني القرآن (ج: 5، ص: 55)
(7) تفسير الكشاف (ج: 1، ص: 1170)
(8) تفسير ابن كثير (ج: 5، ص: 201)
(9) تفسير القرآن العظيم ـ اسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي ـ دار الفكر ـ بيروت (ج: 3، ص: 459)