فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 168

الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء )) [1] ، وفي الحديث: (( اذكر الموت في صلاتك فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحري أن يحسن صلاته وصل صلاة رجل لا يظن أنه يصلي صلاة غيرها وإياك وكل أمر يعتذر منه ) ) [2] ، وفي الحديث: (( اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك واحسب نفسك مع الموتى واتق دعوة المظلوم فإنها مستجابة ) ) [3] ، وفي رواية أخرى: (( اعبد الله كأنك تراه وعد نفسك في الموتى ) ) [4] ، وفي الحديث: (( ما حق امرئ مسلم تمر عليه ثلاث ليال إلا وعنده وصيته، قال عبد الله بن عمر: ما مرت علي منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي ) ) [5] ، ولذلك يقول تعالى: (( إنك ميت وإنهم ميتون ) ) [6] ولم يقل إنك ستموت وإنهم سيموتون حتى يعد الإنسان نفسه من الموتى.

ـ ورد عن حذيفة بن اليمان أنه كان يقول: (( ما من صباح ولا مساء إلا ومناد ينادي: يا أيها الناس الرحيل الرحيل، وإن تصديق ذلك في كتاب الله عز وجل:(إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم) قال: في الموت (أو يتأخر) قال: في الموت )) [7] .

ـ الإنسان إذا نظر إلى ما هو الذي يريده من الدنيا في مستقبله، هل يأكل ويشرب ويحصل على المال والدنيا والشهوات والمظاهر؟ ولكن ثم ماذا بعد؟ ماذا بعد أن يحقق ذلك كله؟، إنه يترك كل ذلك ويموت، فإذا تفكر الإنسان في ذلك فإنه يصفو قلبه ويتحرر من عبادة الهوى وتزول الغشاوة من على قلبه فيفيق وينتبه ويتيقظ لحقيقة ما ينتظره في الآخرة، إذن الذي يوقن يقينا حقيقيا بالموت والآخرة فإنه لا يلهث وراء الدنيا ويعبدها، وفي الحديث: (( ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ) ) [8] .

ـ فالموت عند المؤمن هو اليوم المنتظر، فهو يعيش عمره ينتظر هذا اليوم الذي بعده السعادة الأبدية، أما المنافق فيتجاهل ذلك اليوم، ففي مشاعره أن لقاء الله أمر لا وجود له لأنه لا يشعر له بقيمة، فهو بذلك لا يريد لقاء الله رغم اليقين النظري التام بأنه سوف يلقى الله: (( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ) [9] ، (( بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ) ) [10] ، (( إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا ) ) [11] .

ـ فنسيان الموت وتجاهله مثل نسيان الآخرة ونسيان الله، فإن جميع الناس يؤمنون بالموت ويوقنون به تماما لكن لا يتأثرون بالموت مطلقا كأنه شيء غير مؤثر وكأنه غير موجود، كذلك الإيمان واليقين بالله وبالآخرة موجود لكنه يقين نظري بلا أثر في النفس أو الهم أو المشاعر، بل إن البعض قد يعجب: وهل معرفة الإنسان بالله والآخرة أمور مؤثرة؟!! وكأن عظمة الله الهائلة وقدرته الفائقة وعلمه الهائل وأهوال القيامة ونعيم الجنة كل ذلك مسألة معلومات يقتنع بها الإنسان فحسب!!.

ـ بعض الناس اهتدوا بسبب أنهم رأوا أحدا مات فتأثرت مشاعرهم وأيقنوا بالموت وبأنهم سيموتون، خاصة لو كان صديقا حميما وكان شابا صغيرا.

ـ كل الناس يحبون المال ويكرهون الموت وهذا أمر مذموم، ولكن تزيد محبة المال وتزيد كراهية الموت حتى تصبح ذنبا عظيما، وهو ما يقع فيه الناس اليوم ففي الحديث: (( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت ) ) [12] ، وحب الدنيا قد يكبر ليصبح عبادة للدنيا، وكراهية الموت قد تكبر لتصبح كفرا بالموت.

ـ فالإنسان يعيش ولا يريد أن يموت كأنه سيخلد في الدنيا ويحب المال حبا كبيرا ففي الحديث: (( يهرم بن آدم ويشب منه اثنتان الحرص على العمر والحرص على المال ) ) [13] ، وفي تفسير الخازن: (( {وتحبون المال حبًا جمًّا} أي كثيرًا، والمعنى يحبون جمع المال، ويولعون به وبحبه، {كلا} أي لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا، من الحرص على جمع المال وحبه ) ) [14] ، فهذه الآيات والأحاديث لا تبين أن حب الدنيا وكراهية الموت طبيعة فطرية في الإنسان معذور بها، ولكن تبين أن هناك مرضا خطيرا متفشي بين الناس وهو الحرص على العمر وحب الدنيا حبا جما وكراهية الموت إلى درجة الرعب: (( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ

(1) قال الشيخ الألباني: حسن (جامع الترمذي ج: 4، ص: 637، برقم 2458)

(2) تحقيق الألباني: حسن (صحيح الجامع برقم: 849)

(3) تحقيق الألباني: حسن (صحيح الجامع برقم: 1037)

(4) تحقيق الألباني: حسن (صحيح الجامع برقم: 1038)

(5) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن النسائي ج: 6، ص: 239، برقم: 3618)

(6) الزمر: 30

(7) الزهد - لابن أبي الدنيا (ج: 1، ص: 54)

(8) قال الشيخ الألباني: حسن (جامع الترمذي ج: 4، ص: 637، برقم 2458)

(9) يونس: 7، 8

(10) الفرقان: من الآية 40

(11) النبأ: 27

(12) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن أبي داود، ج: 4، ص: 111، برقم: 4297)

(13) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي، ج: 4، ص: 570، برقم: 2339)

(14) تفسير الخازن (ج: 6، ص: 262)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت