الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ )) [1] ، (( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) ) [2] ، (( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) ) [3] ، وهؤلاء عند احتضارهم أو عند الشدائد تجد عندهم رعب شديد من الموت، فهو لا يريد أن يموت، وربما كان سبب موتهم هو رعبهم من الموت، في حين تجد الصالحين عند احتضارهم يتقبلون أمر الموت وتجد ذلك في حديثهم.
ـ فالموت عند البعض هو الطامة الكبرى وهو نهاية الحياة، أما المؤمن فالموت عنده هو بداية الحياة الحقيقية وهو مجرد مرحلة ينتقل بها إلى الدار الآخرة، وهو مجرد ألم مؤقت عليه أن يتحمله ثم بعده يحيا مرة أخرى، وذلك لأن الآخرة هي حقيقة واقعة في ذهن المسلم وفي شعوره، أما عند البعض فهي مجرد قناعات ومعلومات نظرية لا يحمل لها هما ولا ينشغل بها باله.
ـ من الآثار التي تدل على عدم وجود الإيمان بالموت، هو أن البعض يعيش حياته كأنه لن يموت، فيهتم بمسكنه الذي يسكن فيه اهتمام من هو خالد فيه كأنه دار إقامته غير مبالي أن داره ليست هنا، ويهتم بصحته اهتمام من هو خالد كأنه لن يموت، ويهتم بممتلكاته اهتمام من هو خالد كأنه يأخذها معه عند رحيله من الدنيا، ويهتم بأمور الدنيا اهتمام من هو خالد فيها كأن الدنيا هي دار إقامته، ولذلك ففي تفسير الرازي: (( {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} المصانع مآخذ الماء، وقيل القصور المشيدة والحصون {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} ترجون الخلد في الدنيا أو يشبه حالكم حال من يخلد، وفي مصحف أبي:(كأنكم) ، وقرأ (تخلدون) بضم التاء مخففًا ومشددًا، واعلم أن الأول إنما صار مذمومًا لدلالته إما على السرف، أو على الخيلاء، والثاني: إنما صار مذمومًا لدلالته على الأمل الطويل والغفلة عن أن الدنيا دار ممر لا دار مقر )) [4] ، أما الإنسان الذي يوقن يقينا حقيقيا بأنه سيموت ويلقى الله فإنه يعيش مثل الذي يعيش في غربة في بلد ما، فليست قضيته واهتمامه الأكبر أن يبحث عن الراحة والطعام والشراب، فإنه ينتظر الراحة والطعام والشراب عند العودة إلى وطنه، أما طعامه وشرابه ومكان نومه وعيشه في بلد الغربة فهو كيفما اتفق يرضي بأي شيء يؤدي الغرض، فإن الذي يري أن طعامه إنما هو في الآخرة فإنه لا يهتم كثيرا بطعام الدنيا فهو كيفما اتفق، وإنما هو يأخذ زاد المسافر، وكذلك سكن الدنيا ومتطلباتها، ففي الحديث: (( عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا فقال: ما لي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها ) ) [5] ، فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك لم يكن يرفض التكنولوجيا والعلم الحديث والذي كان يتمثل في عهده في فراش لين بدلا من الحصير، لكن ذلك ليس الذي يشغل همه وفكره ومشاعره، وإنما الهم الأكبر الذي كان يشغل همه وفكره ومشاعره هو الآخرة، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: (( مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خصا لنا فقال ما هذا؟، فقلنا: قد وَهَى فنحن نصلحه، قال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك ) ) [6] ، وفي الحديث: (( إنما يكفي أحدكم ما كان في الدنيا مثل زاد الراكب ) ) [7] ، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يقول: (( إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس وإنها أيام قلائل ) ) [8] .
ـ فالإنسان يعيش حياته وهو يتناسى الموت ويتغافل عنه ويتجاهله كأنه لن يموت، رغم أن يعرف ذلك ويوقن به (يقينا نظريا) لكنه يتغابى ويتشاغل ويتلهى عنه.
ـ الشعور بأن الموت متوقع في أي وقت الآن:
ـ هناك فرق بين المعرفة النظرية بأن الموت يأتي بغتة في أي لحظة وبين الإحساس بذلك، فالشعور بأن الموت يأتي بغتة في أي لحظة يعني شعور مستمر بالقلق والخوف وتوقع الموت في أي لحظة، وبالتالي القلق والخوف من أنك تنتقل إلى الآخرة في أي لحظة، فالإنسان بطبيعته يحب الحياة والموت مخيف بالنسبة له، والآخرة مخيفة أكثر، ويقول أبو حامد الغزالي: (( قال الحسن رحمه الله تعالى: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذى لب فرحا .... ، وقال إبراهيم التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا ذكر الموت والوقوف بين يدي الله عز وجل، وقال كعب: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها ) ) [9] ، وأنت تسمع كل يوم أن مات فلان ومات فلان وسوف يأتي اليوم الذي ينادى فيه باسمك!!.
ـ الإحساس بالشيخوخة والتعرض للأمراض والمحن:
(1) الجمعة: من الآية 8
(2) البقرة: 96
(3) ق: 19
(4) تفسير الرازي (ج: 11، ص: 494)
(5) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3283)
(6) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 568، برقم: 2335)
(7) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 2384 في صحيح الجامع)
(8) سير أعلام النبلاء (ج: 11، ص: 215) ، وفي صفوة الصفوة (ج: 2، ص: 345)
(9) إحياء علوم الدين ومعه تخريج الحافظ العراقي (ج: 7، ص: 138)