ـ إن كل إنسان عنده اقتناع نظري تمام وبلا أدنى شك أنه قد يصل إلى سن الشيخوخة وتضعف قواه أو أنه قد يتعرض لأمراض أو محنة، لكن بلسان المشاعر فكأنما يقول: لن أمرض أو أضعف أو أصل إلى الشيخوخة أو لا أريد أن أمرض أو أضعف أو أصل إلى الشيخوخة، فهذا في لغة المشاعر هراء ولا يمكن أن يحدث أبدا! (( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) ) [1] ، إن الإنسان لو انتبه فعلا بأنه قد يتعرض للمرض والمحن لشعر بالخوف والقلق وشعر بمدي ضعف الإنسان وشعر بأن هناك قوة أعلي من الإنسان تفعل به ما تشاء، وشعر بالخضوع لهذه القوة، ولتغير حاله تماما، ولذلك من الناس من إذا وصل إلى سن الشيخوخة، أو من النساء من إذا وصلت إلى سن اليأس، أو إذا تعرض لمرض أو محنة فإنه يستنكر ذلك ولا يسلم به ويحدث له اكتئاب شديد لأنه لا يريد لنفسه أن يمرض ولا يريد أن يموت رغم أن الناس من حوله يمرضون ويموتون، فهو بمشاعره يعترض أولا على إمكانية حدوث المرض أو المحنة، وينشأ عن ذلك أنه يعترض أيضا بمشاعره على الله وأن ذلك مقدر أو بأن هذا ظلم وتعدي من الله عليه بدون وجه حق، ونفس الشعور قد يحدث له عند خروج الروح لأنه يُسلب كل شيء.
ـ الإحساس بخطورة أننا مسافرون:
ـ لو قيل أن بعض الناس يستعدون للسفر إلى كوكب آخر عبر الفضاء لكان ذلك العجب والدهشة، فهل تتصور أننا مسافرون لما هو أعجب من ذلك وأبعد من ذلك إلى الدار الآخرة؟!، فهل أنت في انتظار حياة غير الحياة التي تعيشها الآن وطعاما غير الطعام الذي تأكله؟!، وسكنا غير السكن الذي تسكن فيه؟!، وهل تشعر أن البيت الذي تسكن فيه ليس هو بيتك، إنما بيتك هناك، وأن هناك مَنْ ينتظرك الآن من الحور العين (إن شاء الله تعالى) ؟!، هل في شعورك أن الطعام الذي تأكله هو طعام مؤقت، وأن السكن الذي تسكن فيه هو سكن مؤقت، أم أنك تشعر أنه سكن دائم؟!، إن الذي يري أن طعامه إنما هو في الآخرة فإنه لا يهتم كثيرا بطعام الدنيا فهو كيفما اتفق، وإنما هو يأخذ زاد المسافر، وكذلك سكن الدنيا ومتطلباتها، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يقول: (( إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس وإنها أيام قلائل ) ) [2] ، فهل تشعر بالترقب والانتظار ليوم العودة إلى وطنك وأهلك؟!، وهل تشعر أنك تعيش الآن في بلد الغربة (الدنيا) ؟!، وهل عندك شعور بأنك مفارق الناس وكل ما تملك، وهل تشعر بالترقب والانتظار لمجيء اليوم الذي تصل فيه إلى بيتك بعد سفر طويل؟!، إن الذي يشعر فعلا بعالم الغيب فإنه يشعر بالموت علي أنه مجرد مرحلة ينتقل به إلى حياة أخري فلا يكره الموت ولا يكن مرعوبا منه، وعندما يأتيه الموت فإنما يأتيه مَنْ كان ينتظره علي موعد وأنه ليس النهاية وإنما هو البداية للحياة الحقيقية، أما الذي لا يشعر بعالم الغيب فإنه يعيش كأنه لن يموت، فالموت عنده مجرد اقتناع نظري، وعندما يأتيه الموت يشعر أنه هو النهاية، ولا يريد أن يموت، ويكره مَنْ يقبض روحه، لأنه يرى الدنيا دار سعادة ويرى في الموت النهاية وليس بداية الحياة الحقيقية (في الآخرة) وهذا يمثل الحقيقة الموجودة في مشاعره، وإن كان في اقتناعه النظري عكس ذلك تماما فهو على يقين تام بأن الدنيا فانية ضئيلة وأن الموت مجرد انتقال إلى الحياة الباقية لكنه يقين نظري فقط، فهل لديك شعور بأن هذا السفر هو سفر نهائي وأنه سفر بلا عوده؟!، وقد سبقك إليه الكثيرون والدور في انتظارك، والرحيل مفاجئ وفوري وبلا رجعة، فالقضية حاسمة وخطيرة ولا تحتمل التراخي ولكننا في غفلة، وغدا تنتهي الحياة فماذا أنت صانع؟، إنها ليست موعظة ورقائق ولكنها حقائق ومشاعر حقيقية في النفس، يتضح الآن أن عالم الغيب في نظرك ليس إلا اقتناع نظري وليس له وجود في مشاعرك، فمشاعرك تقول أننا لسنا في دار غربة ولسنا علي سفر، ومشاعرك تقول: (( إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) ) [3] رغم أن الاقتناع النظري تام بالآخرة، إنك مهما حاولت التغافل والهروب عن الحقيقة والمصير القادم، فإنها أيام قصيرة وغدا اللقاء رضيت أم لم ترضي أعجبك الأمر أم لم يعجبك شعرت بذلك أم لم تشعر، ومهما كانت الظروف والأوضاع من الفقر أو الغنى، من الراحة أو التعب من طاعات أو معاصي، ومهما تبدلت الظروف والأوضاع فذلك لن يغير من حقائق الأمور شيء، وقد سبقك الكثير إلى هناك والدور في انتظارك قد أوشك فعلا وتكاد تصل، وهذا التغافل والتعامي لن يغير من حقائق الأمر شيء فالملكين من حولك والله ناظر إليك والآخرة أمامك سواء رضيت أم لم ترضى سواء أخذت تبرر لنفسك ما تفعل أم لم تأخذ، فالحقائق الغيبية التي نعيش فيها والتي في انتظارنا رهيبة ولكن أين مَنْ عنده مشاعر يحس بها: (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) ) [4] ، فإنك تظن أنك تفر من الموت بأن تتغافل عن أن تشعر به وإن كنت مقتنعا به تماما وأنه ملاقيك، ففي الحديث: (( أتاني جبريل فقال يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب مَنْ شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس ) ) [5] .
ـ فالدنيا هي دار فرار والآخرة هي دار القرار: (( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) ) [6] ، فالمسلم يعيش حياته مثل الهارب الذي يفر من العدو الذي يطارده ويلاحقه ويتربص به فهو دائما في حالة فرار إلى الله، إذن أنت واقع الآن في خطر وعليك أن تفر من هذا الخطر، والفرار هو الجري السريع بعيدا عن العدو في خوف لأنه لو أدركك لقتلك، فأنت واقع في خطر
(1) البقرة: 96
(2) سير أعلام النبلاء (ج: 11، ص: 215) ، وفي صفوة الصفوة (ج: 2، ص: 345)
(3) المؤمنون: 37
(4) قّ: 37
(5) السلسلة الصحيحة (831)
(6) الذاريات: 50