فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 168

لا تحقق السعادة وأنه كان مغرورا، وأما الذي لم يحقق هذه الوسائل فهو مغرور يظن أن فيها تحقيق السعادة ويزين له الشيطان ذلك: (( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) ) [1] .

ـ رغم أن الكثير من الناس على اقتناع نظري تام بأن المال لا يحقق السعادة، ورغم علمهم بأن بعض الناس الذين جمعوا من المال ومتع الدنيا الكثير لم يجدوا السعادة في ذلك رغم أن كل أسباب السعادة المادية عنده، فرغم ذلك لا يزال الكثير من الناس يبحثون عن السعادة في المال كأنهم غير مقتنعين بذلك، فقول أحدهم إن المال لا يحقق السعادة ينشأ عن اقتناع كاذب بذلك، فالإحساس بضآلة قيمة المال يتمثل في عدم انشغال البال بتمني المال، ولو جاء المال فلا يتردد الإنسان في إنفاقه في وجوه الخير، وأنت الآن تستطيع أن تسأل نفسك بصراحة هل تتمنى بشدة وتحلم أن تعثر على كنز؟، وإذا عثرت على كنز هل ستتردد في إنفاقه للمحتاجين أم ستنفقه كله على نفسك في التوسع في أمور الدنيا؟، إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يحب أن يكون عنده من الأموال ولو كان مثل جبل أحد، ولو كان عنده ذلك فلا يأتي عليه ثلاثة أيام حتى يكون قد أنفقه كله في سبيل الله ففي الحديث: (( يا أبا ذر ما أحب أن لي أحدا ذهبا أمسى ثالثة وعندي منه دينار إلا دينارا أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا، يا أبا ذر الأكثرون هم الأقلون إلا من قال هكذا وهكذا ) ) [2] ، وفي حديث آخر: (( ما يسرني أن لي أحدا ذهبا يأتي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينارا أرصده لدين علي ) ) [3] ، فالذي يشعر فعلا بضآلة قيمة المال فيسهل عليه إنفاقه للمحتاجين، فما زاد عن حاجته الضرورية أنفقه لغيره، ففي الحديث: (( من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، قال فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل ) ) [4] .

ـ ويظل الإنسان ينتظر أن يحصل على السعادة من تحصيل المال أو من أن يكون له زوجة أو من أن يكون عنده أولاد أو من تدبير أمورهم الدنيوية على أحسن ما يكون أو من شهوات الطعام والشراب أو من شهوات النساء أو من شهوات المناصب والمظاهر أو من البعد عن متاعب الدنيا وآلامها أو من النجاح في الحياة أو من التغلب على مشاغل الحياة اليومية، أو من البقاء على صحته أو مظهره كأحسن ما يكون، فيظل ينتظر أن يجني السعادة من هذه الأمور، ويظل كذلك حتى يموت ولم يجني شيئا من هذه السعادة، فالله بين أن السعادة في الدنيا مجرد غرور ومتاع قليل: (( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) ) [5] ، (( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) ) [6] ، ورغم الاقتناع التام بأن السعادة في رضا الرحمن وفي الجنة وفي لذة النظر إلى وجه الله الكريم إلا أنه عند البعض هو اقتناع نظري فقط، أما المؤمن فسعادته في أن يصل إلى رضا الرحمن ويجتنب غضبه، وسعادته في أن يصل إلى لذة النظر إلى وجه الله الكريم، وسعادته في أن يصل إلى شهوات النساء الحقيقية التي هي اللذة الحقيقية والكاملة مع النساء التي تحار العيون من جمالهن من الحور العين، وسعادته في أن يصل إلى متع وملذات حقيقية هائلة في جنات النعيم، فهذا هو الإنسان العاقل الذي لا يبالي بحياة ضئيلة فانية، ويصبر قليلا وينتظر حياة الخلود في جنات النعيم، أما من يبحث عن السعادة في الدنيا فلا عقل له: (( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) ) [7] .

ـ ومن الناس من عنده طول أمل بحيث كلما حقق هدفا دنيويا لم يقنع ولم يحقق له سعادة، ويستجد له طموحات أكثر وطول أمل أكثر وهكذا يظل يريد أن يصل إلى أهدافه التي يرى فيها الراحة حتى يموت، فكثير من الناس من يرى الراحة والسعادة حينما ينجح في دراسته ثم ينجح فلا يرتاح لأنه يرى الراحة في أن يتخرج من الجامعة ثم لا يرتاح لأنه يرى الراحة في أن يجد عملا ثم لا يرتاح لأنه يرى الراحة في أن يتزوج ثم لا يرتاح لأنه يرى الراحة في إنجاب الأطفال ثم لا يرتاح لأنه يرى الراحة في أن يزوج أطفاله ثم لا يرتاح لأنه يرى الراحة في أن يكون ذو صحة وعافية ولا يرتاح الإنسان ويرضى بما هو فيه من العمل فلا يرى في عمله الراحة ويظن أن عملا آخر أفضل، ولا يرتاح ويرضى بما هو فيه مع زوجته ويرى أن آخرين يعيشون حياة أفضل ولا يرتاح ولا يرضى بمسكنه ويظن أن غيره أفضل ولا يرتاح ولا يرضى ويظل عنده أمل في تحقيق أشياء كلما تحققت لم يجد فيها الراحة وكان عنده آمال أخرى لا تنتهي حتى يموت وهو على ذلك لم يجد الراحة، فلا راحة في الدنيا، إنما الراحة في الجنة، ومثال ذلك مثال الرجل الذي قيل له اجري في هذه الأرض فكلما قطعت مسافة من هذه الأرض فهي لك، فكان الرجل كلما جرى مسافة يقول لنفسه: كلما أجرى أكثر آخذ مساحة أكبر من الأرض ويظل هكذا لا يتوقف حتى يقع ميتا، ولا أحد يعجبه حاله أو يرضى بحاله ويقول الشاعر: ... صغير يشتهي الكبرا ... وشيخ ود لو صغرا

ورب المال في تعب ... وفي تعب من افتقرا

وخالى يشتهي عملا ... وذو عمل به ضجرا

ويشقى المرء منهزما ... ولا يرتاح منتصرا

فهل حاروا مع الأقدار ... أم هل حيروا القدرا

(1) طه: 120

(2) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم: 7826)

(3) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم: 5817)

(4) حديث صحيح (مشكاة المصابيح ج: 2، برقم: 3898)

(5) الحديد: من الآية 20

(6) فاطر: من الآية 5

(7) البقرة: من الآية 171

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت