فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 168

بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )) [1] ، (( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَانَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ) ) [2] ، (( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ) ) [3] ، (( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) ) [4] ، (( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ) ) [5] .

ـ ملحوظة هامة:

ـ الإنسان عندما يحصل على مال أو جاه أو متع دنيوية فهناك أمران هما:

1ـ إما أنه يشعر بأنه هو الذي حصل عليه من جهده وهو ملكه ولا يشعر بأنه ملك لله وبأنه عطاء من الله تعالى فهو يفرح بذلك وبالتالي لا يشعر بالخضوع لله لأن الله ليس له فضل عليه ـ في تصوره ـ فهذا نفاق أكبر.

2ـ أو يشعر بأن هذا عطاء من الله لا يرتبط بالإنسان وإنما هو قدر من الله، فما يحدث من مصيبة أو خير فهو قدر الله، فإذا كان إيمانه بذلك كاملا (إيمانه بأن كل شيء من قدر الله) لم يفرح ولم يحزن على أي شيء يحدث له في الدنيا، ومن ناحية أخرى من كان عنده يقين حقيقي بضآلة الدنيا وزوالها ووصل يقينه إلى درجة الكمال لم يفرح ولم يحزن على أي شيء يحدث له فيها مهما كان عظيما إلا ما يكون خارجا عن إرادته من أمور الفطرة كحزنه على ولده إذا مات مثلا، وعندئذ يكون فرحه بالدنيا في الله أي يفرح بالمال وبالطعام والشراب ليعينه على الطاعة، ففي تفسير بيان المعاني: (( «لِكَيْلا تَاسَوْا» تحزنوا وتهتموا «عَلى ما فاتَكُمْ» من الدّنيا، لأن فواته محتم، ولا يمكنكم الحصول عليه مهما طلبتموه «وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ» لأنه مقطوع بوصوله إليكم ولو لم تطلبوه، وهو لا يستوجب الفرح، لأنه فان وأنتم فانون، وإن لم تتركوه يترككم ) ) [6] .

ـ أما إذا فرح أو حزن على شيء من أمور الدنيا وهو يشعر بأن ذلك من قدر الله فذلك لأن إيمانه بأن كل شيء من قدر الله وبضآلة الدنيا ضعيف أو غير موجود، وقد يدل درجة فرحه أو حزنه على درجة إيمانه.

ـ والغرور بالدنيا يؤدي إلى الاستكبار:

ـ الاستكبار هو شعور الإنسان بأنه ليس بضعيف، فكما أن الله قوي فهو يظن أنه أيضا قوي، فالاستكبار هو شعور الإنسان بامتلاك صفات القوة كالملكية والإيجاد والحكمة والعلم والقدرة والحرية والإرادة، أي هو شعور الإنسان بأن ما عنده من صحة ومال وممتلكات وشهوات وأهل وبنين هي ملكه وأوجدها لنفسه ولا يشعر بأنها نعم من الله عليه.

ـ الإنسان مغرور بما أعطاه الله من نعم كالعين والأنف والهواء وبما أعطاه من متع الدنيا كالمال وشهوات النساء والطعام والشراب، فهو يظن أن كل ذلك ملكا له ويرفض التنازل عنه، لذلك عندما تأتيه الرسل فتسلب منه حياته التي يعيشها على أنها حياة عابرة والآخرة هي الحياة، وتسلب منه ما يتمتع به من عين وأنف ومال وممتلكات وشهوات لتنسب ذلك كله إلى الله الذي يملك كل شيء، وتسلب منه كل شيء فيكون ضعيفا ولله كل صفات القوة، فيرفض الإنسان ذلك لكنه لا يستطيع أن يمنع عقله من الاقتناع النظري بما جاءت به الرسل فيلجأ إلى حيلة التشاغل بالدنيا والتغافل والتلهي، فهو لا يقبل أن ينظر إلى الملايين من الأموال على أنها تافهة ولا يقبل أن ينظر على متع الشهوات على أنها تافهة ولا يوافق على أن الإنسان يمكن أن يتمتع بشهوات هائلة بعد أن يصير جثة عفنة أكلتها التراب ليعود من جديد ويتمتع بالشهوات في الجنة، ولا يوافق على أن هناك كلام للخالق نزل من السماء للأرض ففي شعوره أن هذا كلام مجانين، رغم أن كل ذلك مقتنع به ولكنه اقتناع نظري فقط، فالإنسان مغرور بنفسه وبالدنيا.

ـ والخضوع معناه أن يتنازل عن كل ما عنده من نعم كالعين والأنف والأذن، وأن يتنازل عن شهواته وما يتمتع به من مال وممتلكات وأهل وبنين فينسب ملكية كل شيء لله فيصبح عاري من كل شيء متجرد من كل شيء لا يملك شيئا ولا حتى يملك نفسه، فيصبح ضعيف والله هو القوي، والضعيف يخاف من القوي ويعجب بقوته فيخضع له خوفا منه وإعجابا به، ومعنى أن الإنسان يرفض هذا التنازل إذن هو مستكبر لا يرضى بالخضوع وأنه مغرور بنفسه وبالدنيا.

(1) الروم: 9

(2) الأنعام: 6

(3) مريم: 74

(4) الأحقاف: 26

(5) الفجر: 6 ـ 13

(6) بيان المعاني ـ موافقا للمطبوع (ج: 6، ص: 14)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت