فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 168

ـ فالاستكبار معناه أن الإنسان لا يعترف بضعفه وعجزه وأنه لا يملك شيئا، وينسب ملكية كل شيء إلى الخالق، فهو بذلك يستكبر على الخالق ويرفض أن يسجد له بعدم اعترافه بصفات النقص للإنسان وصفات الكمال لله تعالى، فالاستكبار هو غرور الإنسان بنفسه بما معه من الدنيا.

ـ مالك الشيء له أن يفعل بما يملك ما يشاء، فما يحدث للإنسان من خير أو شر إنما هو من فعل الله تعالى، والذي يعلم أن ما يحدث له إنما هو من فعل الله فهو يستسلم لله متقبلا أي شيء يحدث له، فلا يحزن بشيء ولا يفرح بشيء، فهو لا يملك شيئا حتى يحزن على فقده، كما أن ما يحدث له من خير أو شر قد سبق تقديره في اللوح المحفوظ ولا سبيل لتغييره وهذا يعني عدم الفرح أو الحزن لأي شيء يحدث للإنسان: (( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(22) لِكَيْلَا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ )) [1] ، فالإنسان كالدمية يفعل بها صاحبها ما يشاء، والاستكبار معناه أن الإنسان يرفض أن يكون كالدمية يفعل بها صاحبها ما يشاء فلا يريد أن يتحكم فيه احد فيكون حرا وليس عبدا.

ـ سبب غياب الإحساس بالقيمة عدم قبول الخضوع:

ـ الخضوع فيه ألم كبير جدا، لذلك فالإنسان يستكبر أن يخضع، فيلجأ إلى حيلة وهي تعطيل الإحساس بالقيمة (الغفلة) والتلهي بالدنيا حتى لا يتحقق الخضوع.

ـ وسبب أن الإنسان لا يريد أن يخضع هو أن الإنسان له إرادة وقوة وروح وعنده حكمة، فلا يريد أن يٌخضع إرادته إلى إرادة الله، فهو مغرور بعقله (( فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) ) [2] ، فهو مغرور كأنه هو الذي أوجد هذه الأمور في نفسه فلابد أن يركع العقل والقلب، وكذلك فالنفس فيها الكبر عن أن أحدا غيرها هو الذي يقوم علي أمرها ورعايتها كأنها قاصرة أو عاجزة، فالنفس تريد أن يكون لها سلطة وزعامة وأن تكون هي التي تدير نفسها.

ـ فالإنسان له إرادة تجعله يفعل ما يشاء، فهو يختار لنفسه أن يسير كيفما يشاء ويعمل ما يشاء، فهو سيدا لنفسه لأنه يتحكم في نفسه كيفما يشاء كلما أحب شيئا قام به، وهو لا يقبل أن يكون عبدا وتسلب منه حريته وشخصيته، والعبد ليس له هدف غير إرضاء سيده وقبول كل ما يفعل به سيده، لذلك فهو يرفض أن يكون عبدا.

ـ فالإنسان لا يريد أن يخضع، لأن هذا معناه أن يتنازل الإنسان عن كل ما يملك لله الذي يملك كل شيء فيكون كل ما عنده هو محض تكرم وإنعام ومنة من الخالق فيعيش عبدا لاحسان الله (الخضوع رجاءا في الثواب) ، فإما أن يكون محبا شاكرا لله أو يستكبر عن أن يمن عليه أحد بعطاء فيكون مستكبرا كفورا: (( إِنَّا خَلَقْنَا الْإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) ) [3] .

ـ فأصعب شيء على النفس هو التنازل عن كل الممتلكات والأهل والمال والشهوات وعن النفس والاعتراف بملكية هذه الأمور لصاحبها وهو الله فتصبح هذه الأمور بلا قيمة لأنها ليست ملكا للإنسان، فلا يتحقق الإيمان حتى يزول تعظيم قيمة النفس والمال والممتلكات من عقل وقلب الإنسان: (( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) ) [4] .

ـ فهناك أمران لا ثالث لهما هما إما تعظيم قدر الله وتصغير قدر النفس، أو تعظيم قدر النفس وتجاهل قدر الله تعالى كأنه ليس له قدر، فالأول هو الإيمان والثاني هو الاستكبار، فالإيمان عكسه الاستكبار، وهذا الاستكبار هو رفض للإيمان الحقيقي بالربوبية، ومعنى أن الإنسان يتغافل عن قدرة الله عليه فهذا لأنه مستكبر على الله.

ـ وبتعبير آخر فالإيمان هو الخضوع والذل والتنازل عن كل شيء والاستكبار أنه لا يريد أن يخضع ويذل ويتنازل عن كل شيء وهذا الاستكبار هو رفض للإيمان الحقيقي بربوبية الله.

ـ فعكس الإيمان هو الاستكبار، فالإنسان إما مؤمن وإما مستكبر ولا يوجد شيء ثالث، وفي تفسير البغوي: (( {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا} تكبروا عن الإيمان بها، وإنما ذكر الاستكبار لأن كل مكذب وكافر متكبر، قال الله تعالى"إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون") ) [5] .

ـ فالاستكبار هو أنه لا يريد أن يخضع ويذل طوال عمره، ولا يريد أن يتنازل عن ما يملك من الشهوات والنعم ليعترف أن الله هو المالك لكل النعم التي يتنعم بها، ولا يريد أن يعترف بأن الدنيا لا قيمة لها لأنها إلى زوال وأن الحياة في الآخرة لأنه لو أيقن بضآلة الدنيا فهذا معناه أن يترك حب الدنيا واللهث وراءها وهو لا يريد ذلك، ولا يريد أن يتحكم أحد فيه ويسيطر عليه، ويريد أن يعيش حرا مستقلا بنفسه ويشعر أن له إرادة مستقلة فيستكبر.

(1) الحديد: 22، 23

(2) غافر: من الآية 83

(3) الإنسان: 3

(4) التوبة: 111

(5) تفسير البغوي (ج: 3، ص: 227)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت