فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 168

وفي تفسير الطبري: (( عن مجاهد في قوله(إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) قال: بذكر الآخرة فليس لهم همّ غيرها )) [1] ، وفي تفسير بحر العلوم للسمرقندي: (( قوله عز وجل: {إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار} يعني: اختصصناهم بذكر الله تعالى، وبذكر الجنة، وليس لهم همّ إلا همّ الآخرة ) ) [2] .

ـ وفي التفسير القرآني للقرآن: (( قوله تعالى: «ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ» أي ذلك الذي يعيش فيه المشركون، من إعراض عن ذكر اللّه، وعن الخشية من لقائه يوم القيامة، واستفراغ وجودهم كله في الحياة الدنيا ـ هو غاية علمهم الذي حصّلوه بعقولهم الفاسدة، فهم إنما كان همّهم كله منصرفا إلى الحياة الدنيا، فوجهوا عقولهم إليها، وحصلوا من العلم ما يصلهم بهذه الحياة، ويمكن لهم فيها، وهو علم تافه يمسك بالقشور من حقائق الأشياء، ولا ينفذ إلى صميمها ولبابها، ولو أن علمهم بالحياة الدنيا كان علما قائما على فهم صحيح وإدراك سليم لكان لهم من هذا العلم سبيل إلى الإيمان باللّه واليوم الآخر: «يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ» ) ) [3] .

ـ وفي التفسير المنير للزحيلي: (((فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا) أي فأعرض أيها الرسول عمن أعرض عن القرآن أو تذكير اللّه، ولم يكن همّه إلا الدنيا، وترك النظر إلى الآخرة )) [4] .

ـ وفي تفسير الشيخ المراغى: (((ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) أي إن منتهى علمهم أن يتفهموا شئون الحياة الدنيا، ويتمتعوا باللذات، ويتصرفوا في التجارات، ليحصلوا على ما يكون لهم فيها من بسطة في المال، وسعة في الرزق، ويكونوا ممن يشار إليهم بالبنان، وما به يذكرون لدى الناس، ولا يعنون بما وراء ذلك، فشئون الآخرة دبر أذنهم، ووراء ظهورهم، لا يعرفون منها قبيلا من دبير )) [5] .

ـ وفي التفسير القرآني للقرآن: (( «ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» ... فليدعهم وما اختاروا لأنفسهم من حياة، كل همهم فيها أن يأكلوا، ويتمتعوا، ويتلهّوا بالآمال الكاذبة، التي تقيم لهم من دنياهم تلك عالما من سراب تتراقص على أمواجه عرائس زائفة ينخدع لها الحمقى والسفهاء من الناس ويقطعون العمر في جرى لاهث وراءها!، وفى قوله تعالى «فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين، الذين رضوا بهذه الحياة، واطمأنوا بها، وأذهبوا طيباتهم فيها، واستهلكوا وجودهم في لذاذاتها الفانية، إنهم في سكرة يعمهون، فإذا جاء أجلهم صحوا من سكرتهم ووجدوا ما عملوا من سوء حاضرا بين أيديهم يقودهم إلى عذاب السعير ) ) [6] .

ـ ومن صور انشغال الهم بالدنيا كثرة التفكير في أمور الدنيا خاصة عندما تنقص أو تزيد، وقد يشعر بالقلق والاكتئاب والأرق والضيق والكآبة عندما يفقد شيئا من أمور الدنيا، وقد يؤدي ذلك إلى إصابته بمرض السكر وارتفاع ضغط الدم وقرحة المعدة وضعف المناعة وقد يؤدي ذلك إلى الوفاة حزنا على الدنيا!.

ـ ومن العجيب أن الشيطان عندما يجد الإنسان يسير في اتجاه الدين ولا يستطيع صرفه عنه، فيلجأ بشغله بالأعمال الدينية عن معرفة الله حتى ينسى الله، وتبقى الأعمال الدينية معزولة عن معرفة الله فيكون من الأخسرين أعمالا: (( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ) ) [7] ، فمن الناس من يأخذ من الدين ما يختص بصلة الإنسان بما سوى الله من البشر والدنيا، فيأخذ من الدين ما يخص الدنيا وما يخص الجوارح فقط فتكون قضيته هي تحقيق الحقوق والواجبات ورفع الظلم وتحقيق العدل والمساواة وإعمار الأرض والمحافظة على البيئة وأمور الحلال والحرام والبيع والشراء والعمل والكسب والمعاملات وبخاصة ما يتعلق بالمال والطعام والشراب ومتع الدنيا المختلفة، أما الدين الذي هو شعور بالآخرة وخوف منها وشعور بعظمة الله والخوف منه والشعور بالخضوع له والتوكل عليه فهذا غير موجود، فهو في الحقيقة لا يعرف غير الدنيا ولا يعرف الله ولا الآخرة.

ـ وبتعبير آخر فهو يأخذ من الدين ما يتناول صلة الإنسان بالإنسان، وصلة الإنسان بالدنيا، ولا يأخذ ما يتناول صلة الإنسان بالله تعالى إلا فيما يتعلق بظاهر الأقوال والأعمال، ويتناسى الصلة الروحية بين الإنسان والله، والتي بها يدرك الإنسان وجود الله ويشعر بعظمته، ويشعر بالخضوع له، ويشعر بخطورة الآخرة، وفي تفسير الطبري: (( {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاقٍ} ، قال أبو جعفر: ... ولا تكونوا كمن اشترى الحياةَ الدنيا بالآخرة، فكانت أعمالهم

(1) تفسير الطبري (ج: 21، ص: 218)

(2) بحر العلوم للسمرقندي (ج 4، ص: 21)

(3) التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع (ج: 14، ص: 606)

(4) التفسير المنير للزحيلي (ج: 27، ص: 115)

(5) تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع (ج: 27، ص: 56)

(6) التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع (ج: 7، ص: 215)

(7) الكهف: 103، 104

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت