فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 168

)) [1] ،"الحيوان"أي الحياة الحقيقية وفي الآية: (( يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) ) [2] أي لحياته في الآخرة، فإن الآخرة هي الحياة الحقيقية، أما الحياة الدنيوية التي نعيشها الآن فهي حياة مؤقتة، ويمكن تسميتها بمرحلة ما قبل الحياة، أو بالمرحلة التي يعيشها عابر السبيل، أما الذي يشعر أن الآخرة هي الحياة الحقيقية فإنه لا يكون حريصا علي ألا يفوته طعام الدنيا أو متعها لأنها مؤقتة، وإن فاتته فهناك في انتظاره طعام آخر ومتع أخري، فالذي يشعر أن الدنيا مؤقتة يكون طعامه وأمور دنياه كيفما اتفق، فمن الناس مَنْ كل همه أن يكون حريصا علي ألا يموت، وكل همه صحته ومتعته ودنياه (( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) ) [3] وكلمة (حياة) نكرة تدل علي أنهم يبحثون عن أي حياه.

ـ إن الذي لا يشعر بخطورة الآخرة فإنه يعيش دنياه، وتأخذه أمور الحياة وما بها ويطمئن بها، ويغفل عن الآخرة: (( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ) [4] ، (( بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ) ) [5] ، (( إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا ) ) [6] .

ـ فالدنيا لا تصلح لأن تكون دار إقامة لأننا لا نرى فيها الجزاء لمن عبد الله والعقاب لمن عصى الله فلابد من دار فيها الثواب والعقاب، فالله يرزق المؤمن والكافر ويعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، فلابد من دار للثواب والعقاب: (( وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) ) [7] .

ـ آيات القرآن تبين ضآلة الدنيا لأنها مؤقتة تمر سريعا: (( إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَاكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) ) [8] ، (( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ) ) [9] .

ـ الدنيا عبارة عن حياة مؤقتة فهي (لعب ولهو) مثل لعب ولهو الأطفال أما الحياة الحقيقية الجادة فهي في الآخرة: (( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ) [10] ، (( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) ) [11] ، (( إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) ) [12] ، (( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) ) [13] ، ورغم أن اليقين النظري بأن الحياة الدنيا ليست حياة هامة وخطيرة وحاسمة وجادة لأنها حياة مؤقتة فهي مجرد لعب ولهو كما تبين الآيات إلا أن مشاعر الإنسان وهمومه وأهدافه قد تكذب آيات القرآن وتقول عكس ذلك تماما.

ـ فالدنيا مثل الطعام لا يمكث إلا قليلا ثم يصير براز، ففي الحديث: (( إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير ) ) [14] ، وفي حديث آخر: (( عن الضحاك بن سفيان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له يا ضحاك ما طعامك قال يا رسول الله اللحم واللبن قال ثم يصير إلى ماذا قال إلى ما قد علمت قال فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا ) ) [15] .

ـ وفي الحديث: (( عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثر في جنبه قلنا: يا رسول الله لو أتخذ لك وطاء فقال: ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل شجرة ثم راح وتركها ) ) [16] .

ـ فالدنيا أشبه بحلم في المنام ثم يفيق منه الإنسان، (( عن يونس بن عبيد، قال: ما شبهت الدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما يحب، فبينما هو كذلك إذ انتبه ... قيل لبعض الحكماء: أي شيء أشبه بالدنيا؟ قال: «أحلام النائم» ) ) [17] .

ـ ولقد أحسن من قال: ... إنّ لله عبادًا فطنا طلّقوا الدّنيا وخافوا الفتنا

(1) العنكبوت: 64

(2) الفجر: 24

(3) البقرة:96

(4) يونس: 7، 8

(5) الفرقان: من الآية 40

(6) النبأ: 27

(7) آل عمران: من الآية 191

(8) يونس: 24

(9) الكهف: 45

(10) العنكبوت: 64

(11) الأنعام: من الآية 32

(12) محمد: من الآية 36

(13) الحديد: من الآية 20

(14) تحقيق الألباني: حسن (صحيح الجامع برقم 2195)

(15) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب، ج: 2، برقم 2151)

(16) حديث صحيح بشواهده (رياض الصالحين، ص: 230، برقم: 490)

(17) الزهد (ج: 1، ص: 22، 23)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت