ـ اليقين الحقيقي بوجود الملائكة معناه الإحساس بخطورة وجود الملائكة معنا.
ـ الفرق بين اليقين النظري واليقين الحقيقي بوجود الملائكة والجن معنا:
ـ إذا نظر الإنسان حوله فإنه يتصور وجود ملكين ملازمان له في كل وقت ويتصور وجود الشياطين والملائكة من حوله، وإذا نظر إلى أعلى أيضا يتصور وجود ملائكة تصعد وتهبط من السماء ووجود ملائكة تملأ السماء فما من موضع أربع إصابع إلا وعليه ملك ففي الحديث: (( إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا ملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله، والله لوددت أني شجرة تعضد ) ) [1] وذلك لأنه منظر مخيف جدا ومرعب أن ترى ملائكة فوقك تملأ السماء، فلابد أن تشعر بخوف المهابة من وجود الملائكة والجن حولك.
ـ وإذا لم يشعر الإنسان بأن وجود الجن والملائكة حقيقة واقعة حوله الآن في هذه اللحظة وفي كل وقت فهذا يعنى عدم وجود الإيمان الحقيقي بوجود الملائكة والجن، ولا يمكن لإنسان عاقل أن تغيب صورة هذه الملائكة والشياطين عن ذهن الإنسان في أي وقت أبدا إلا أن يكون مجنونا أو غير مؤمن بوجودها وأنها تعيش معه وتلازمه.
ـ إن كل إنسان على اقتناع نظري تام بأن هناك رقيب وعتيد يسيران معه في كل لحظة لا يفارقانه، فهل عنده شعور بأنه مراقب وأن ما قاله وفعله منذ قليل تم تسجيله، وهل يشعر بما سيكتبوه في صحيفته الآن وبعد قليل، فإذا لم يشعر بشيء من ذلك في حياته فهذا يعني أن الرقيب والعتيد غير موجودان في مشاعره، فالإنسان عندما يتصور أنه مراقب في كل لحظة وأن هناك من يعدون عليه كلماته وكل حركاته يأخذه خوف المهابة، كما أنه عندما يتصور أن اثنين يسيران معه ليسوا من البشر بل أقوى بكثير وفوق ذلك أنهما لهما القدرة على إخفاء نفسهما بحيث لا يراهما أحد، ولهما قدرة هائلة أعظم من كل قدرات البشر، فهذا يؤدي إلى خوف المهابة من الملكين الرقيب والعتيد بسبب وبسبب مدى قدرتهما وبسبب خطورة أمر تسجيلهما لكل شيء.
ـ وكيف تكون حياة الناس لو أن الله جعل الناس يرون الرقيب والعتيد وهما يسيران مع كل واحد في كل لحظة، وهل رؤية الناس لهم تغير من حقيقة وجودهم معنا شيء؟، ولكن المشاعر تكذب بوجود شيء اسمه الملائكة رغم وجود الاقتناع النظري التام بوجودها، وماذا أيضا لو أن الله كشف الحجب فرأي الناس الله وهم في الدنيا، وهل هذا يغير من حقيقة وجود الله معنا في كل لحظة ويراقبنا ويري ما يخطر في بالنا شيء؟ ولكن المشاعر تكذب بوجود الله رغم وجود الاقتناع النظري التام بوجوده.
ـ تصور لو أن الناس ترى الملائكة حولها وفي الطرقات لصعق الناس جميعا وماتوا من هول ما يشاهدونه، ففي تفسير الخازن: (( ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلًا (يعني ولو أرسلنا إليهم ملكًا لجعلناه في صورة رجل وذلك أن البشر لا يستطيعون أن ينظروا إلى الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها ولو نظر إلى الملك ناظر لصعق عند رؤيته ولذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الأنس كما جاء جبريل إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) في صورة دحية الكلبي وكما جاء الملكان إلى داود عليه السلام في صورة رجلين وكذلك أتى الملائكة إلى إبراهيم ولوط عليهما السلام ولما رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) جبريل في صورته التي خلق عليها صعق لذلك وغشي عليه )) [2] ، وفي تفسير القرطبي: (((ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر) قال ابن عباس: لو رأوا الملك على صورته لماتوا إذ لا يطيقون رؤيته )) [3] .
ـ لو قيل لرجل إن الشقة التي تسكنها هي شقة مسكونة، تسكنها الأشباح والأرواح، بماذا يشعر؟، إنه يشعر بالخوف والرعب، وإذا كان مضطرا للبقاء في هذه الشقة فكيف يعيش حياته وهو مقتنع ومصدق بأن هذه الأشباح والأرواح تعيش معه في شقته؟، إن وجود الملائكة أعظم وأعجب وأغرب من ذلك وهي تعيش معك الآن، فإذا كنت تدعي أنك تشعر بوجود الملائكة فلماذا لا تشعر بنفس هذا الشعور لهذا الرجل؟، إن البشر ليسوا هم فقط سكان هذه الأرض، ولكن تعيش معهم كائنات هائلة لا نراها هي الملائكة، بل إنه لكل إنسان اثنان رقيب وعتيد يسيران معه في كل لحظة لا يفارقانه، وهذا يعني شعور بمراقبة واصطحاب هذين الملكين لك في كل لحظة، يا ترى ماذا كتبوا لك في صحيفتك بالأمس؟، إن كل خطوة خطوتها وكل كلمة قلتها بالأمس تم نسخها وتسجيلها: (( هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ) [4] ، وبماذا تعد نفسك ليكتبوه في صحيفتك هذه الليلة؟، فإذا لم تشعر بشيء من ذلك فهذا يعني أن الرقيب والعتيد غير موجودان في مشاعرك.
ـ يدور في خيال بعض الناس أن هناك كائنات فضائية علي كوكب آخر وصلت لتكنولوجيا هائلة وتأتينا إلى الأرض، ماذا لو كان هذا حقيقة؟، وماذا لو تصورنا أن هناك كائنات فضائية غير مرئية نزلت على الأرض وهي تسير بيننا ومعنا ونحن لا نراها؟، ألا نشعر أن هناك كائنات حقيقية أعظم وأعجب من هذا وهي حولك الآن من الملائكة والجن فلماذا لا تشعر بالخوف؟ إنك
(1) التخريج: حسن (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم: 3380)
(2) تفسير الخازن ـ موافق للمطبوع (2/ 120)
(3) تفسير القرطبي (6/ 393)
(4) الجاثية: 29