ـ فصفات الله مثل الجبار والمتكبر والقهار هي أيضا صفات محبوبة، لأن صفات القوة والإرادة عند البشر هي صفات مخلوقة فيهم وليسوا هم أقوياء من ذوات أنفسهم وحقيقتهم أنهم ضعفاء وما عندهم من قوة هو محض تكرم من الله عليهم، لذلك فالإنسان ليس له أن يتكبر لأنه ليس بقوي، والقوي بحق هو الذي له أن يتكبر على الضعيف.
ـ وفي تفسير الرازي: (( واعلم أن المتكبر في حق الخلق اسم ذم، لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه الكبر، وذلك نقص في حق الخلق، لأنه ليس له كبر ولا علو، بل ليس معه إلا الحقارة والذلة والمسكنة، فإذا أظهر العلو كان كاذبًا، فكان ذلك مذمومًا في حقه أما الحق سبحانه فله جميع أنواع العلو والكبرياء، فإذا أظهره فقد أرشد العباد إلى تعريف جلاله وعلوه، فكان ذلك في غاية المدح في حقه سبحانه ولهذا السبب لما ذكر هذا الاسم قال: {سبحان الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} كأنه قيل: إن المخلوقين قد يتكبرون ويدعون مشاركة الله في هذا الوصف لكنه سبحانه منزه عن التكبر الذي هو حاصل للخلق لأنهم ناقصون بحسب ذواتهم، فادعاؤهم الكبر يكون ضم نقصان الكذب إلى النقصان الذاتي، أما الحق سبحانه فله العلو والعزة، فإذا أظهره كان ذلك ضم كمال إلى كمال، فسبحان الله عما يشركون في إثبات صفة المتكبرية للخالق ) ) [1] .
3ـ حب الإعجاب بمدى عظمة قدرة الله ومدى عظمة علمه ومدى عظمة صفاته:
ـ الجمال والصفات المحمودة كالكرم والرحمة وغيرها هي صفات محبوبة، فالإنسان يحب هذه الصفات ويحب من يتصف بهذه الصفات، وكلما كانت هذه الصفات موجودة بصورة أكبر كان حب الإنسان لمن يتصف بها أكبر كأن يحب فلانا الذي كرمه كبير جدا أو جماله لا يوصف مثلا، فإذا كانت جميع الصفات المحمودة هي من صفات الخالق وتصل إلى درجة الكمال التام وما عند الإنسان من صفات محمودة هي محض تكرم من الله علية لأن الإنسان لا يملك شيئا يعطيه لغيره ليكون كريما مثلا، فلا كريم كرما حقيقيا إلا الله تعالى، والذي خلق كل هذا الكم من الجمال في الخلق والمخلوقات لابد أن يكون عنده من الجمال ما هو أكبر من مجموع ما أعطى من الجمال للخلق والمخلوقات منذ خلق الكون والبشر والمخلوقات إلى يوم القيامة، وبالتالي فلذة النظر إلى وجه الله أعظم من مجموع كل جمال الدنيا، وبالمثل كل الصفات المحمودة من الكرم والرحمة وغيرها فالله خلقها وهي عند الله أعظم فلله الكمال في الجمال والصفات، وبالتالي فكل صفات الله تدعو إلى حبه حبا عظيما، فمن لم يشعر بشيء من حب الله تعالى هو لا يعرف الله ولا يوقن يقينا حقيقيا بالخالق وصفاته.
ـ الناس يحبون من يحقق رقما قياسيا في بطولة رياضية مثلا لأنه بلغ قدرة كبيره وينظرون إليه نظرة إعجاب بقدرته وحب له.
ـ فالمحب يفرح ويطمئن ويشعر بالأنس بلقاء محبوبه أو رؤيته أو ذكره والحديث عنه أو يفخر بالانتساب إليه، فكل ذلك صور للقرب من محبوبه، ويشعر بالغربة والحيرة والحزن عندما لا تحدث هذه الأمور، أي عند البعد عن محبوبه، فكذلك المؤمن يفرح ويطمئن ويشعر بالأنس بلقاء الله أو رؤيته يوم القيامة أو ذكره والحديث عنه أو يفخر بالانتساب إليه بأن يعمل عبدا له، فأفضل لقب يحصل عليه الإنسان هو أن يكون عبدا لله تعالى، فكل ذلك صور للقرب من محبوبه، ويشعر بالغربة والحيرة والحزن عندما لا تحدث هذه الأمور، أي عند البعد عن محبوبه: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ) [2] .
4ـ حب الله تعالى لإنعامه:
ـ النعم أمانة أو عارية يستردها صاحبها وهو الله سبحانه في أي وقت شاء، لذلك فأنت تحب الله لما أعطاك ولا تكرهه لما سلب منك لأنه أعطاك أمانة تمتعت بها فترة من الزمن بغير استحقاق منك، فأنت تحبه لما استفدت به من هذه النعمة خلال هذه الفترة.
ـ المسلم عنده رضا بما عنده، بل يشعر أن ما عنده لم يكن يستحقه فهو زائد عن أهدافه، لأن الإنسان لا يملك شيئا والمالك لكل شيء هو الله تعالى، فإذا أعطاه الله شيئا كالماء والهواء فذلك فضل يفرح به فيحب الله تعالى لما أعطاه.
ـ فالله ينعم عليك ويتودد إليك فلماذا لا تشعر بحبه؟ فلو أن رجلا أعطاك مالا وبيتا ومرتبا شهريا وزوجك وتكفل برعايتك وتودد إليك (فهو الودود) فلماذا لا تحبه؟، فيجب عليك أولا أن تشعر بالتجرد والاحتياج إلى النعم وأنك لم تأتي بالنعم من كدك أو تعبك وأنها ليست ملكا لك وأنك في أمس الحاجة إليها، ثم تتصور أن أحدا يعطيك هذه اللقمة التي تأكلها عن جوع واحتياج وبدون ثمن ولا مقابل فتحبه، وكذلك تصور أن أحدا يعطيك ما تلبس وما تملك من عنده وبلا مقابل، إنك عندئذ تشعر بالحب له، أما إذا كنت تتصور أن ما عندك إنما هو من كدك وتعبك وأنه ملك لك أو أن أحدا أعطاك حقا لك وواجبا عليه وهو ملك لك فلن تشعر بالحب لله.
ـ وتصور أنك تقابلت مع شخص هو الذي كان قد أنفق عليك ورعاك طوال سنوات عمرك منذ أن كنت رضيعا وأعطاك السكن الذي تسكن فيه وكل شيء فبماذا تشعر؟، ولماذا لا تجد مثل هذا الشعور والله هو المالك لكل شيء المنعم عليك وأنت بين يديه ولا تغيب عنه طول وقتك.
(1) تفسير الرازي (ج: 15، ص: 315)
(2) الرعد: 28