وقال - سبحانه وتعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج:78] .
فإنْ قيل: كيف تشْهد على ما قبلها ولم ترهم؟ فجواب ذلك: أنَّ الله - عز وجل - أخبرها بما كان مِن الأمم قبلها، سواءٌ في كتابه الكريم، أو على لسان نبيه الأمين - صلى الله عليه وسلم -، فقام هذا الإخبار لصدق المُخْبِر به مقامَ الرؤية الحسِّية، نظير قوله تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} [النحل:1] يريد: القيامة، لكنَّه عَبَّرَ عن ذلك بالماضي لتَحَقُّق وقوعه يقينًا.
فمَنْ كذَّبَ بالقرآن بعد ذلك: فقد كَذَّب بهذا كله، ومن استهزأَ به أو ببعضه كانَ مستهزأً بجميع الرسالات قبله، ومُنْكِرًا لجميع ما وردَ فيه مِن الإخبار عن الأمم السابقة، واللاحقة، أو ما ذَكَره مِن أخبار القيامة والبرزخ، والجنة والنار، والملائكة، وغير ذلك.
وبناءً عليه: كان المُكَذِّب ببعض الأنبياء مُكَذِّبًا بهم جميعًا، والمستهزئ ببعضهم مستهزأً بهم كلِّهم.
فمَنْ سبَّ القرآن أو النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو كَذَّبَ ببعض ما جاء في القرآن، أو بعض ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد سبَّ عيسى - عليه السلام - وكذَّبه في بشارته بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وجَعَلَ عيسى مُبَشِّرًا بما يستحق السبّ، فيُبْطِل بذلك رسالتَيْن في آنٍ واحدٍ، ويرجع بالنقض على عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
ومَنْ سبَّ القرآن أو أنْكره: فقد سبَّ ما فيه من قصص المرسلين، والإخبار عن الأمم السابقة ورسلهم، وأنكر نبوة مَنْ ذَكَرَ القرآن نبوّتهم.
ومَنْ سبَّ القرآن: فقد سبَّ تصديقه للكتب السابقة عليه، وأبطل تاييده لما فيها، فأبطل الاعتماد عليها.
ومَنْ سبَّ القرآن: فقد أبطلَ ما أخذه الله على جميع الأمم من الإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وتأييده ومؤازرته، وكَذَّب اليهود في انتظارهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل ظهوره والوحي إليه، وكذَّب الإنجيل وغيره ممَّنْ بَشَّرَ به - صلى الله عليه وسلم -.
وخلاصة القول: أنَّ مَنْ سبَّ القرآن واستهزأَ به: فقد سَبَّ جميع الكتب السابقة واستهزأَ بها، وأبطلَ جميع الرسالات السابقة على رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومَنْ أبطل رسالةً مِن الرسالات أو سبَّ نبيًّا من الأنبياء كان مُبْطِلًا لجميع الرسالات سابًّا لجميع الأنبياء، ومَنْ أَدْخل نفسَهُ في هذه الدائرة فقد حكم على نفسِه بالكفر؛ عياذًا بالله مِن الخذلان.