سبق في الباب الأولِ بيان مذهب أهل الحقِّ في القرآن المقدَّس، وأَنَّهُ كلامُ الله تعالى غير مخلوقٍ، وسبق ذِكْر أدلتِهِم في ذلك من القرآن والسنة وإجماع السلف والخلف.
وبناءً على ذلك تَمَيَّزَ القرآن المقدَّس عن كلام البشر بخصائص ومميِّزَاتٍ لا يشاركه فيها غيره؛ نظرًا للاختلاف والتبايُنِ بين المتكلِّمِ بالقرآن سبحانه وتعالى، وبين سائر المتكلِّمين من البشر.
فكما أنَّ ذاتَ الله سبحانه لا تُشْبِه ذات أحدٍ من خَلْقِه فكذلك كلامه عز وجلَّ لا يُشْبه كلام أحدٍ من خَلْقِهِ؛ إِذِ الكلام في الصفاتِ فرعٌ عن الكلامِ في الذَّاتِ، وصفات الله تعالى مُتَعَلِّقةٌ بذاته سبحانه وتعالى، ولها أحكام الذَّات.
فدلَّ هذا وغيره على التبايُن والاختلاف بين كلام الله تعالى، وبين كلام البشر، سواءٌ في خصائصه، أو في توابعه وما يلزم نحوه في رقبة الإنسان.
ويُؤَكِّد هذه الحقيقة:
قاعدة
القول في الصفات كالقول في الذّات
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «القول في الصفات كالقول في الذات؛ فإن الله ليس كمثله شيءٌ، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تُمَاثِلُ الذوات؛ فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تُمَاثِل سائر الصفات.
فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ قيل له كما قال ربيعة ومالك وغيرهما رضى الله عنهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة؛ لأنه سؤالٌ عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه.
وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: لا أعلم كيفيته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله؛ إِذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرعٌ له، وتابعٌ له، فكيف