فصلٌ
فيمَنْ سبَّ الله - جل جلاله -
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
«فإِنْ كان مسلمًا وَجَبَ قَتْله بالإجماع؛ لأنه بذلك كافرٌ مرتدٌّ، وأسوأُ مِن الكافر؛ فإِنَّ الكافر يُعظِّم الربَّ ويعتقد أنَّ ما هو عليه مِن الدين الباطل ليس باستهزاء بالله، ولا مسبة له.
ثم اختلف أصحابنا وغيرهم في قبول توبته؛ بمعنى: أنه هل يُسْتَتَاب كالمرتدِّ، ويسقط عنه القتل إذا أَظْهَرَ التوبة مِن ذلك بعد رفعه إلى السلطان وثبوت الحَدّ عليه؟ على قولين:
أحدهما: أنه بمنزلة سابّ الرسول فيه الروايتان كالروايتين في ساب الرسول، هذه طريقة أبي الخطاب، وأكثر مَن احتذى حذوه من المتأخرين، وهو الذي يدل عليه كلام الإمام أحمد؛ حيث قال: «كل مَن ذَكَرَ شيئًا يُعَرِّضُ بذِكْرِ الربّ تبارك وتعالى فعليه القتل مسلمًا كان أو كافرًا، وهذا مذهب أهل المدينة» ، فأطلق وجوب القتل عليه، ولم يذكر استتابته، وذَكَرَ أَنَّه قولُ أهل المدينة، ومَنْ وجبَ عليه القتلُ (يَسْقُط) [1] بالتوبةِ، وقولُ أهل المدينة المشهور أَنَّه لا يسقط القتل بتوبته، ولو لم يُرِدْ هذا لم يخصه بأهل المدينة، فإِنَّ الناسَ مجمعون على أَنَّ مَنْ سبَّ الله تعالى مِن المسلمين يُقْتل، وإنما اختلفوا في توبته، فلما أَخَذَ بقولِ أهل المدينة في المسلم كما أَخَذَ بقولهم في الذِّمِّي عُلِمَ أَنَّه قَصَدَ محل الخلاف بين المدنيين والكوفيين في المسأَلَتَيْن، وعلى هذه الطريقة فظاهر المذهب أَنّه لا يسقط القتل بإظهار التوبة بعد القدرة عليه كما ذكرناه في ساب الرسول.
وأما الرواية الثانية: فإِنَّ عبدَ الله [2] قال: سئل أبي عن رجلٍ قال: «يا ابن كذا وكذا أنتَ ومَن خلقك» ؟ قال أبي: هذا مرتدٌّ عن الإسلام، قلت لأبي: تَُضْرَِبُ عنقه؟ قال: نعم نضرب عنقه. فجعله من المرتدين.
والرواية الأولى قول الليث بن سعد، وقول مالك، وروى ابن القاسم عنه [3] قال: مَنْ سَبَّ الله تعالى مِن المسلمين قُتِلَ ولم يُسْتَتَب؛ إلا أَنْ يكون افترى على الله بارْتِدَادِه إلى دينٍ دانَ به وأَظْهَرَهُ فيُسْتَتَاب وإِنْ لم يظهره لم يُسْتَتَب، وهذا قولُ ابنِ القاسم ومُطرِّف، وعبد الملك، وجماهير المالكية.
(1) كذا في نشرة المكتبة العصرية من «الصارم المسلول» ، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، وفي نشرة دار ابن حزم: «لم يسقط» بزيادة «لم» - كذا؛ وظاهر السياق يأباها؛ فالله أعلم.
(2) عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله.
(3) يعني: عن الإمام مالكٍ رحمه الله.