فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 213

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أنعم على بعض عباده برعاية الأصول، وهداهم بفضله إلى تمييز المردود من المقبول، ومعرفة الحقّ من الباطل المعمول، ومَنَّ عليهم بنعمة العقول، ومَدَّهُم بمدَدٍ من المعقول والمنقول، فبصَّرَهم صراطَه المستقيم وطريقه المأمول، وَنَجَّاهم بفضله من ضلال الهوى المنحول.

له الحمد حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، ملء الأرض والسماء، وملء ما شاء ربُّنا من شيءٍ بعد.

والصلاةُ والسلام على أشرف الخلق، وإمام الحق، وزعيم الهداية، وصاحب الدراية، نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وارْضَ اللهمَّ عن الآل والصَّحْبِ والتَّابعين.

وبعد:

فإِنَّ (( مِنْ أهم ما يجب على أهل دين الله كشفه، وأولى ما يلزم بحثه: ما كان لأصل دينهم قوامًا، ولقاعدة توحيدهم عمادًا ونظامًا، وعلى صِدق نبيِّهم برهانًا، ولمعجزته ثبتًا وحجةً، ولا سيما أَنَّ الجهلَ ممدودُ الرواق، شديد النفاق، مستولٍ على الآفاق، والعلم إلى عفاء ودروس، وعلى خفاء وطموس، وأهله في جفوة .. حتى صار ما يكابدونه قاطعًا عن الواجب من سلوك مناهجه والأخذ في سبله.

فالناس بين رجلين: ذاهب عن الحق، ذاهل عن الرشد، وآخر مصدودٌ عن نصرته، مكدود في صنعته.

فقد أَدَّى ذلكَ إلى خوض الملحدين في أصول الدين، وتشكيكهم أهلَ الضعف في كلِّ يقين، وقد قلَّ أنصاره، واشتغل عنه أعوانه، وأَسْلَمَهُ أهلُه فصار عُرْضَةً لمن شاء أن يتعرَّض فيه، حتى عاد مثل الأمر الأول على ما خاضوا فيه عند ظهور أمره، فمِنْ قائلٍ قال: إنه سحر، وقائل يقول: إنه شِعْر، وآخر يقول: إِنَّه أساطير الأولين، وقالوا: لو نشاء لقلنا مِثْل هذا، إلى الوجوه التي حكى الله عز وجل عنهم أنهم قالوا فيه، وتكلموا به فصرفوه إليه، وذُكِرَ لي عن بعض جُهَّالِهِمْ أَنَّهُ جعلَ يعدله ببعض الأشعار، ويوازن بينه وبين غيره من الكلام، ولا يرضى بذلك حتى يفضله عليه.

وليس هذا ببديع من ملحدة هذا العصر، وقد سبقهم إلى عِظَم ما يقولونه إخوانهم من ملحدة قريش وغيرهم، إلا أَنَّ أكثر مَنْ كان طعن فيه في أول أمره استبان رشده، وأبصر قصده، فتاب وأناب، وعرف من نفسه الحق بغريزة طبعه، وقوة إتقانه، لا لتصرُّف لسانه؛ بل لهداية ربِّه وحُسْنِ توفيقه.

والجهلُ في هذا الوقت أغلب، والملحدون فيه عن الرشد أَبْعَدُ، وعن الواجب أَذْهَبُ )) [1] .

(1) من مقدمة الإمام أبي بكرٍ الباقلاني رحمه الله لكتابه (( إعجاز القرآن ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت