الَّلازِمُ الثَّاني
تَنْزِيهُ كلمات القرآن وحروفه ومعانيه عن النَّقْدِ
ظهر مما سبق: أَنَّ صفات الله عز وجل لا تُشْبه صفات أحدٍ من خَلْقه، كما أنَّ ذاته لا تُشْبه ذوات المخلوقين؛ إِذِ الكلام في الصفات مبنيٌّ على الكلام في الذَّاتِ.
فإذا تقرَّرَ ذلك؛ فاعْلَمْ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله تعالى، ليس بمخلوقٍ، تَكَلَّمَ اللهُ عز وجل به حقيقةً، وكلامه سبحانه لا يُدَانيه كلامٌ، ولا تحوي فضائله ألفاظُ وعباراتُ بشرٍ، ولا يبلُغ قيمته كلامُ بشرٍ، فهو مُعْجِزٌ مِن كل نواحيه.
ولذا تحدَّى اللهُ عز وجل فُصَحاءَ العرب، وأئمةَ اللغةِ أَنْ يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك.
كما قال سبحانه وتعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة:23 - 24] .
وقال عز وجل: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس:38] .
وقال جلَّ شأنه: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [هود:13] .
يتحدَّاهم سبحانه وتعالى بهذا كله فيعجزوا، وهم مَنْ هم في الفصاحة والبلاغة ونبوغ اللغة.
يقول القاضي أبو بكرٍ الباقلاني: (( والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن: أنه تحدَّاهم إليه حتى طال التَّحدِّي، وجَعَلَهُ دلالةً على صِدْقه ونُبُوَّتِه، وضَمَّنَ أحكامَهُ استباحةَ دمائِهم وأموالِهِمْ وَسَبْى ذُريتهم، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا، وتوصَّلُوا إلى تخليص أنفسِهم وأهليهم وأموالهم من حُكْمِهِ بأَمْرٍ قريبٍ هو عادتهم في لسانهم ومألوف مِن خطابهم، وكان ذلك يغنيهم عن تَكَلُّفِ القتال، وإكثار المراء والجدال، وعن الجلاء عن الأوطان، وعن تسليم الأهل والذرية للسبي.
فلمَّا لم تحصُل هناك معارضة منهم عُلِمَ أنهم عاجزون عنها.