فصلٌ
في معنى قولِهم: «مِنْه بَدَأَ وإِليهِ يَعود»
ومعنى ذلك أنَّ الله - عز وجل - قد تكلَّمَ بالقرآن حقيقةً, ولم يخلقه أو يُجْريه على لسانِ غيره كما تذهب إليه الجهميّه قاتلهم الله؛ وإنما تكلم به - سبحانه وتعالى - على الحقيقة, وأوحاه إلى نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -.
ومعنى «إليه يعود» : يعني أنه يرفعه إليه ثانية, فلا يترك منه شيئًا في صدور العباد, وذلك في آخر الزمان, كما وردت النصوص بذلك في أمارات الساعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ولما جاءت مسألة القرآن؛ ومِن الإيمان به؛ الإيمان بأنَّ القرآن كلام الله, غير مخلوق, منه بدأ وإليه يعود: نازع بعضُهم في كونه منه بدأ وإليه يعود, وطلبوا تفسير ذلك؛ فقلت: أما هذا القول: فهو المأثور, الثابت عن السلف؛ مثل: ما نقله عمرو بن دينار قال: أدركتُ الناسَ منذ سبعين سنة؛ يقولون: الله الخالق, وما سواه مخلوق؛ إلاَّ القرآن [1] فإِنَّهُ كلام الله غير مخلوق, منه بدأ وإليه يعود.
وقد جمع غيرُ واحٍد ما في ذلك من الآثار عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين؛ كالحافظ أبي الفضل بن ناصر، والحافظ أبي عبد الله المقدسي.
وأما معناه؛ فإنَّ قولهم: منه بدأ؛ أي هو المتكلِّم به، وهو الذي أنزلَهُ مِن لدنه، ليس هو كما تقول الجهمية: إنه خُلِق في الهوى [2] أو غيره، أو بدأ من عند غيره.
وأما إليه يعود: فإِنَّهُ يُسْرَى به في آخر الزمان، من المصاحف والصدور، فلا يَبقى في الصدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف.
ووافق على ذلك غالبُ الحاضرين، وسكت المنازعون [3] » أهـ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قال الأئمة كلام الله من الله، ليس ببائنٍ عنه، .. وأن قول السلف: منه بدأ لم يريدوا به أنه فارق ذاته وحل في غيره، فإن كلام المخلوق بل وسائر صفاته لا تفارقه وتنتقل
(1) وكذا سائر صفات الله - عز وجل -؛ وإنَّما احتاج أهلُ السنة إلى النص على القرآنِ لمواجهة قول أهل البدعة وزيغهم؛ والله أعلم.
(2) كذا في «الفتاوى» ، والمراد: «الهواء» كما في مواضع مِن «الفتاوى» ؛ منها: (12/ 358) .
(3) «مجموع الفتاوى» (3/ 174) .
وانظر منه أيضًا: (12/ 40) .