اللازم الأول
في تنزيه كلام الله الخالق عن مشابهة كلام المخلوقين
وبيان أنَّ مَن شَبَّه كلام خالق البشر بكلام أحدٍ من البشرِ، فقد كفر؛ عياذًا بالله مِن ذلك
وذلك أنَّ القرآن كلام الله - عز وجل - ليس بمخلوقٍِِ، منه بدأ وإليه يعود، وكلامُه - سبحانه وتعالى - صفةٌ مِن صفاتهِ، قائمة بذاته، كباقي الصفات؛ مثل: السمع والبصر والقدرة والإرادة والخلق والرزق، ولا يعلم حقيقة صفات المولى - جل جلاله - إلاَّ هو، نؤمنُ بصفاته، دون السؤال عن كيفيتها، فالصفات معلومة، والإيمان بها واجب، والكيفية مجهولة، والسؤال عنها بدعة.
نؤْمِنُ بهذا، ونُقِرُّ به، دونَ بحثٍ في كيفٍ، أو تفتيشٍ فيما لم نُكَلَّفْ بطلبِ عِلْمه، وإنما علينا التصديق بذلك، على سبيل الإذعان والاستسلام، على حَدِّ قول الإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن رحمه الله [1] حين سُئِلَ عن قوله - سبحانه وتعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه:5] كيف استوى؟ قال: «الاستواء غير مجهول، والكَيْفُ غير معقول، ومِن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق» [2] .
(1) شيخ الإمام مالك بن أنس رحمهما الله، وهو الملقب بـ «ربيعة الرأي» .
(2) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (665) .
وذَكَره ابن القيم رحمه الله تعالى في «اجتماع الجيوش» (1/ 70) ، وقال في «الصواعق المرسلة» (4/ 1304) : «وَرَوَى الخلال بإسنادٍ كلهم ثقات عن سفيان بن عيينة قال: سُئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله: {الرحمن على العرش استوى} [طه:5] ؟ فقال: الاستواء معلومٌ، والكَيْف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق. وقد روي هذا الكلام عن الإمام مالك من وجوه متعددة» .
وانظر: «الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (3/ 58 - 167) (5/ 40، 139) ، و «إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل» لابن جماعة رحمه الله (ص/40) .
ورُوِيَ نحو هذا من كلام أمِّ المؤمنين أمِّ سَلَمَة رضي الله عنها في قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه:5] ؛ قالت: «الكَيْفُ غير معقولٍ، والاستواءُ غير مجهولٍ، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر» . رواه اللالكائي (663) ، والذهبي في «العلو» (رقم/181 - ط: أضواء السلف، تحقيق أشرف عبد المقصود) بإسنادٍ ضعيفٍ، لكن صحَّحه غير واحدٍ فلعلهم وقفوا له على إسنادٍ آخر، وإلا فلا يصح من الوجه المذكور عند اللالكائي والذهبي، وانظر: «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» (ص/674) .