فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 213

«فَبَيَّنَ أنَّ الاستواءَ معلومٌ، وأَنَّ كيفيةَ ذلك مجهولة، ومثل هذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة؛ ينفون عِلْمَ العباد بكيفية صفات الله تعالى، وأنَّه لا يعلم كَيْف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو» [1] .

وسيأتي نحو هذا القول عن الإمام مالكٍ تلميذ ربيعة رحمهما الله تعالى.

«وهذه الأقوال الثلاثة [2] متقاربة المعنى واللفظ فمن المحتمل أن يكون ربيعة ومالك بلغهما قول أم سلمة؛ فاقتديا بها، وقالا مثل قولها؛ لصحته وحُسْنه، وكونه قول إحدى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن المحتمل أن يكون الله تعالى وَفَّقَهما للصواب، وألهمهما من القول السديد مثل ما ألهمها.

وقولهم: الاستواء غير مجهول؛ أي: غير مجهول الوجود؛ لأن الله تعالى أخبر به، وخبره صدق يقينًا، لا يجوز الشك فيه، ولا الارتياب فيه، فكان غير مجهول لحصول العلم به، وقد رُوِيَ في بعض الألفاظ: الاستواء معلوم.

وقولهم: الكيف غير معقول؛ لأنه لم يَرِدْ به توقيفٌ، ولا سبيل إلى معرفته بغير توقيف.

والجحود به كفر؛ لأنه رَدٌّ لخبر الله، وكفرٌ بكلام الله، ومَنْ كَفَرَ بحرفٍ متفقٍ عليه فهو كافرٌ، فكيف بمَنْ كفَرَ بسبع آياتٍ وَرَدَّ خبَرَ الله تعالى في سبعةِ مواضع من كتابه.

والإيمان به واجب لذلك.

والسؤال عنه بدعة؛ لأنه سؤالٌ عَمَّا لا سبيل إلى عِلْمِه ولا يجوز الكلام فيه، ولم يسبق في ذلك في زمن رسول الله، ولا من بعده من أصحابه» [3] .

«وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: أنا لا أعلم كيفيته، قيل: ونحن لا نعلم كيفية نزوله؛ إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرعٌ له، فكيف تطالبني بكيفية استوائه على عرشه وتكليمه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟! وإذا كنتَ تُقِرّ بأنَّ له ذاتًا حقيقةً ثابتةً في نفس الأمر مستوجبةً لصفاتِ الكمال لا يماثلها شيءٌ؛ فاستواؤه ونزولُه وكلامُه ثابتٌ في نفس الأمر، ولا يشابهه فيها استواء المخلوقين وكلامهم ونزولهم، فإنَّ الله تعالى ليس كمثله شيءٌ، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تُمَاثل الذوات؛ فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل صفات سائر الذوات،

(1) «شرح قصيدة ابن القيم» لابن عيسى (2/ 15) .

(2) يعني: ما رُوِيَ عن أم سلمة، وقول ربيعة ومالكٍ.

(3) «ذم التأويل» لابن قدامة (رقم/43 - 47) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت