الَّلازمُ الثَّالثُ
العملُ بأَحْكَامِ القرآنِ، والأخذُ به في كافَّة الأمورِ [1]
وهذا مِنْ مُسلَّمات الدين، وقواعد الإسلام التي لا يصح الإسلام بدونها؛ لأنَّ عماد الإسلام على الطاعة لله سبحانه وتعالى، وإفراده بالطاعة المطلقة في كلِّ أحكامه وأوامره، وهذا يستلزم ضرورةً: العمل بالقرآن المقدَّس وأحكامه؛ لأنَّه المنبع الذي تؤخذ منه الشريعة، ثم هو كلامُ الخبير بالنَّفْس، العالِم بطرائِقِها وأحوالها، الْمُطَّلِعِ على خَبَايَاها، وأغْوَارِها، فكلامُه لها أحسنُ الكلامِ، وحُكْمُه لها أفيدُ الحكم وأصدقُه، وبيانُه لها أتم البيان وأشفاه.
وأصلُ مادةِ الْحُكْم: المنع كما ذكر ابن فارس [2] ، وغيره، وقال الراغبُ الأصفهاني في (( مفردات القرآن ) ): (( حَكَمَ: أصله منع منعًا لإصلاحٍ، ومنه سُمِّيَتِ اللجام: حَكَمَة الدابة، فقيل: حَكَمْته وحَكمْتُ الدابة: منعتُها بالْحَكَمَة، وأَحْكَمْتُها جَعَلْتُ لها حَكَمَةً، وكذلكَ حكَمْتُ السفيهَ وأحكمتُه ) ) [3] .
و (( العربُ تقول: حكَّمْتُ فلانًا إذا أطلقتُ يدَهُ فيما يشاء ) ) [4] .
فتحصَّل من ذلك معنيين:
المعنى الأول: أنه المنع لإصلاحٍ، فالمنع لإفسادٍ يُخالفُ ذلك.
والمعنى الثاني: حَكَّمْتُ فلانًا يعني: أطلقتُ يدَهُ فيما يشاء.
فالحكمُ منعٌ مِنْ مُطْلَقِ اليدِ لإصلاحٍ.
ولا يُشكل على ذلك: الأمر؛ لأنَّ الأمر بالشيء نهيٌ ومنعٌ عن ضدِّه على الراجح في أصول الفقه.
وهذا المعنى المذكور للْحُكْمِ ينطبق تمامًا على حُكْمِ الله عز وجل؛ إِذْ هو حُكْمٌ مِن مطلق اليد لإصلاحٍ، فهو المتفرِّد بالحكم المطلق في الكون كله، وهو أيضًا المتفرِّد بصلاح أحكامه وحُسْنِها وجمالها مِنْ كل وجهٍ، فأحكامه عدلٌ كلها وكمالٌ كلها، لا تشوبها شائبة جَوْرٍ أو نقصٍ أبدًا.
(1) وقد عُنِيَ علماء المسلمين ببيان هذا الباب؛ لاتِّصاله بأصل الإسلام، ومبدأ الدين، وكلامهم في ذلك مشهور للكافةِ، ولذا سأقتصر هنا على بعض ما يفي بالغرض، والله الموفِّق.
(2) انظر: (( معجم مقاييس اللغة ) )لابن فارس (2/ 91) .
(3) (( مفردات ألفاظ القرآن ) )للراغب (248 ـ مادة: حكم) .
(4) (( تهذيب اللغة ) )للأزهري (4/ 114) .