وقد تفرَّدَ سبحانه وتعالى بالحُكْمِ المطلق، وأرسلَ الرسلَ مُبَشِّرِين ومُنْذِرِين لعباده، وأمرَهم بتبليغ شريعته إلى الناس، وأسندَ لولاة الأمر بعد الرسل توصيل أحكامه إلى عباده.
فالحكم في الحقيقة لله سبحانه وتعالى، وأما الحكام والعلماء وغيرهم من ولاة الأمور فوظيفتهم التبليغ، وتزول عنهم الصفة الشرعية إذا حادوا عن الصِّراط، أو تنكَّبوا طريق الشريعة.
وأصلُ القضية موصولٌ بقضية الألوهية، وتَفَرُّدِ المولى عز وجل بالحكم دون سواه، فهو الخالق الرازق المستحق بأن يُفْرَدَ بالرُّبوبية، وكذا هو الحاكم المتفرِّد بالألوهية.
وأهل الإيمان بعد ذلك هم أهل الاستجابة والطاعة، وأما أهل الكفر والنفاق فهم أصحاب التمرُّد والعصيان.
ولذا جاءتِ النصوص الصريحة في وصف المؤمنين بالاستجابة لأحكام الله عز وجل، كما بيَّنَتْ صفة المنافقين في تمرُّدهم وتأَبِّيهم لحكم الله السميع البصير.
يقول سبحانه وتعالى: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 46 - 52] .
فعَرَضَ سبحانه وتعالى حال المؤمنين وغير المؤمنين وبَيَّن صفة كلٍّ منهما في هذه الآيات، وقد ورد نحو هذه المقابَلَة بين الفريقين في سورة النساء أيضًا في قوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا (59) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ