فصلٌ
الاستهزاء بالقرآن يعني: هدمَ الإِسْلام
ذلك أنَّ القرآن هو مصدر الإسلام ومادَّته، ومنبع أحكامه وتشريعاته، فمن استهزأَ بالقرآن فقد استهزأَ بأحكام الإسلام وتشريعاته، ومَن استهزأَ بها جَحَدَها؛ بل لا يصدر الاستهزاء إلا عن جحودٍ وبُغْضٍ، ومَنْ جحدَ الأحكام والتشريعات: فقد جحدَ الإسلام، وهدم أركانه، وأسقط بنيانه.
والقرآن هو المصدر الأول للتشريعات لدى المسلمين، والأصل الأول لتلقِّي الدين، فمَنْ استهزأَ به فقد استهزأَ بالدين كلِّه، ومَنْ هدمه فقد هدم الدين كلِّه، كما أنَّ مَنْ زاد فيه أو نقص منه فقد زاد في الدين أو نقص منه.
ولذا حَفِظَه الله مِن التحريف والتبديل، وصَانَهُ عن الزيادة النقصان، كما قال - عز وجل: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر:9] ، وقال - سبحانه وتعالى: {لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:42] ، وأوْصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - عند موته [1] ، ولا يوصي مَنْ قَارَب الوفاة إلا بمهمٍّ ذي منزلةٍ.
قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى:
«باب ما جاء مِن الحجةِ في الرَّدِّ على مَنْ طعنَ في القرآنِ وخالَفَ مصحف عثمان بالزيادة والنقصان: لا خلاف بين الأمة، ولا بين الأئمة أهل السنة؛ أن القرآن اسمٌ لكلام الله تعالى الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - معجزةً له على نحو ما تقدم، وأنه محفوظٌ في الصدور، مقروءٌ بالألسنة، مكتوبٌ في المصاحف، معلومةٌ على الاضطرارِ سورُه وآياتُه، مبرأةٌ مِن الزيادةِ والنقصانِ حروفُه وكلماتُه، فلا يحتاج في تعريفه بحَدٍّ، ولا في حَصْرِهِ بِعَدٍّ، فمَنِ ادَّعَى زيادةً عليه أو نقصانًا منه فقد أبطلَ الإجماع، وبَهَتَ الناسَ، ورَدَّ ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - مِنَ القرآن المنزل عليه، ورَدَّ قوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء:88] ، وأبطل آيةَ رسولهِ - عليه السلام -؛ لأنَّه إِذْ ذاكَ يصير القرآن مقدورًا عليه حين شِيبَ بالباطل، ولما قُدِرَ عليه لم يكن حجة ولا آية، وخرج عن أَنْ
(1) وردت وصية النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بكتاب الله - عز وجل - من حديث عبد الله بن أبي أَوْفى رضي الله عنهما.
رواه البخاري (2740) ، ومسلم (1634) ، وقد سبق لفظه في هذا الكتاب في «فصل: مَنْ سبَّ القرآن فقد سبَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم» .