فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 213

يكون مُعْجِزًا، فالقائل: إِنَّ القرآنَ فيه زيادةٌ ونقصانٌ رَادٌّ لكتابِ الله، ولما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكان كمن قال: الصلوات المفروضات خمسون صلاة، وتَزَوُّج تسع مِن النساء حلالٌ، وفرض الله أيامًا مع شهر رمضان، إلى غير ذلك مما لم يثبت في الدين، فإذا ردّ هذا الإجماع؛ كان الإجماع على القرآن أثبت وآكَد وأَلْزَم وأَوْجَب.

قال الإمام أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري: ولم يزل أهل الفضل والعقل يعرفون مِن شرف القرآن وعُلُو منزلته ما يوجبه الحق والإنصاف والديانة، وينفون عنه قول المبطلين، وتمويه الملحدين، وتحريف الزائغين، حتى نبغ في زماننا هذا زائغٌ زاغ عن الملةِ، وهجمَ على الأمةِ بما يحاول به إبطال الشريعة التي لا يزال الله يؤيدها، ويُثَبِّت أُسُسها، ويُنَمِّي فَرْعها، ويحرسها مِن معايب أولي الجنف والجور، ومكايد أهل العداوة والكفر، فزعم [1] أن المصحف الذي جمعه عثمان بن عفان - رضي الله عنه - باتفاق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على تصويبه فيما فعل - لا يشتمل على جميع القرآن؛ إِذْ كان قد سقط منه خمسمائة حرف [2] ، قد قرأتُ ببعضها وسأقرأ ببقيتها؛ فمنها: «والعصر ونوائب الدهر» فقد سقط مِن القرآن على جماعة المسلمين: «ونوائب الدهر» ، ومنها: «حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازَّيَّنَتْ وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلًا أو نهارًا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها «، فادَّعى هذا الإنسان أنه سقط على أهل الإسلام مِن القرآن: «وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها» ، وذَكَرَ مما يَدَّعِى حروفًا كثيرةً، وادعى أن عثمان والصحابة - رضي الله عنهم - زادوا في القرآن ما ليس فيه [3] ، فقرأ [4] في صلاة الفرض والناس يسمعون: «الله الواحد الصمد» فأسقط مِن القرآن: «قل هو» وَغَيَّرَ لفظَ «أحد» وادَّعَى أَنَّ هذا هو الصواب والذي عليه الناس هو الباطل والمحال [5] ، وقَرَأَ في صلاة الفرض: «قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون» وطعن في قراءة المسلمين، وادَّعَى أَنَّ المصحفَ الذي في أيدينا اشتملَ على تصحيفِ حروفٍ مفسدة مُغَيَّرة؛ منها: «إِنْ تعذبهم فإنهم عبادك وإِنْ تغفر لهم فإِنَّك أنتَ العزيز الحكيم» فادَّعى أنَّ الحكمةَ والعزةَ لا يُشَاكِلان المغفرة وأنَّ الصواب: «وإِنْ تغفر لهم فإِنَّك أنتَ الغفور الرحيم» ، وتَرَامَى به الغيُّ في هذا وأشكاله حتى ادَّعَى أَنَّ المسلمين يُصَحِّفونَ «وكان عند الله وجيهًا» والصواب الذي لم يُغَيَّر عنده: «وكان عبدًا لله وجيهًا» ، وحتى قرأ في صلاةٍ مفترضةٍ - على ما أخبرنا جماعة سَمِعُوه وشَهِدوه: «لا تحرك به لسانك إِنَّ علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتَّبِعْ قرآنه ثم إِنَّ علينا نبأ به» ، وحكى لنا آخرون عن آخرين أنهم سَمِعُوه يقرأ: «ولقد نصركم الله ببدر بسيف عليٍّ وأنتم أذلة» ، ورَوَى هؤلاء أيضًا لنا عنه قال: «هذا صراطُ عليٍّ مستقيم» ، وأخبرونا أَنَّه أَدْخَلَ في آيةٍ مِنَ القرآن ما لا يُضَاهِي فصاحةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يدخل في لسان قومه الذين قال الله - عز وجل - فيهم: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم:4] ؛ فقرأ: «أليس قلت للناس» في موضع: «أأنت قلت للناس» ، وهذا لا يُعْرَفُ في نحو المعربين، ولا يُحْمَلُ على مذاهب النحويين؛ لأنَّ العربَ لم تقل: «ليس قمت» فأَمَّا «لست قمت» بالتاء فشاذٌّ قبيحٌ خبيثٌ رديءٌ؛ لأنَّ «ليس» لا تجحد الفعل الماضي، ولم يُوجَدُ مثل هذا إلا في قولهم: «أليس قد خلق الله مثلهم» ، وهو لغة شاذة لا يُحْمَلُ كتاب الله عليها»

ونقل القرطبي عن ابن الأنباري رحمهما الله بعض ادِّعاءات هذا الهالك المشار إليه في كلام ابن الأنباري ثم قال القرطبي رحمه الله:

«قال أبو بكرٍ [6] : وفي قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر:9] : دلالة على كفر هذا الإنسان؛ لأنَّ الله - عز وجل - قد حَفِظَ القرآن مِن التغيير والتبديل والزيادة والنقصان، فإذا قَرَأَ قارئٌ: «تبت يدا أبي لهبٍ وقد تبّ ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارًا ذات لهبٍ ومريته حمالة الحطب في جيدها حبل من ليف» ؛ فقد كذبَ على الله جل وعلا، وَقَوَّلَهُ ما لم يقل، وبَدَّلَ كتابَهُ وحَرَّفَهُ، وحاول ما قد حَفِظَهُ منه ومنع مِن اختلاطه به، وفي هذا الذي أتاه توطِئَةُ الطريق لأهل الإلحاد ليُدْخِلُوا في القرآن ما

(1) يعني الهالك الذي نبغ؛ أي: ظهر في زمان ابن الأنباري.

(2) وهذا أخف من قول بعض الشيعة القائلين بأنَّ الموجود الآن من المصحف قدر النصف، ونصفه الباقي سيظهر - في زعمهم - مع رجلٍ ينتظرونه، ويَرَوْنَهُ المهدي المنتظر، ولهم في ذلك مزارٌ معروف في إيران، فما بالك لو أدرك ابن الأنباري ذلك ورآه؟ والله المستعان على هذا الكفر.

وشبيهٌ بهذا الكفر: كفر ذلك الهالك الآخر المنسوب زورًا وبهتانًا إلى الأدب العربي حين زعم تعديل بعض كلمات القرآن واستبدالها بغيرها مِن الألفاظ، وزعم الهالك أنَّ ما أورده مِن ألفاظٍ أَوْلَى في السياق والتعبير مما ورد في القرآن، فأعْمى الله قلبه بعد بصره، وأخذَه غير مأسوفٍ عليه، وأَخْسَأَ ذِكْره وذِكْراه رغم المحاولات المتكررة لإظهاره، ومَنْ خفضه الله لا يرفعه إنسانٌ.

(3) وهذا شبيهٌ بالكفر الآخر المذكور في كلام بعض زنادقة الزمان، حيث زعم أنَّ القرآن «كلام بشرٍ، زاد فيه أبو بكرٍ وعُمَر أشياء» ، وزعمَ أنَّ الله تقدَّس وتنزَّه قد نزل إلى الأرض وجَلَسَ مع أبي بكرٍ وعمر، ورآهم وهم يفعلون ذلك ولم يُنْكِر عليهم، إلى آخر هذا الكفر والزندقة التي أَهَّلَتْ مثل هذا المارق لنَيْلِ الرِّضى والجائزة مِن أصحابه الكفار.

وتأَمَّل قول الحق - سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51] ، والله المستعان.

(4) يعني: هذا الهالك الذي يحكي ابن الأنباري رحمه الله قوله.

(5) وهذه بعينها فِكْرَةُ المنسوب زورًا وبهتانًا للأدب العربي، فانظر يرحمك الله إلى تشابه الكفر، وتتابع الزنادقة؟!

(6) وهو ابن الأنباري رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت