فهرس الكتاب

الصفحة 205 من 213

ومما سبقَ يتبيّن أَنَّ مَن استهزأ بالقرآن، أو بعضه، ولو بآيةٍ منه؛ فقد كَفَرَ وارْتَدَّ، وحكم على نفسه بإهدار دمه؛ ذلك إنْ كان الفاعل ممن يُنسب إلى الإسلام، فإِنْ كان ذميًّا نُقِضَ عهدُه وميثاقُه؛ لأَنَّه لا أمان ولا عهد ولا ميثاق لذِمِّيٍّ سبَّ الله، أو بعض صفاته، أو آياته، أو رسوله، أو استهزأَ بالقرآن، أو بعضه، ولو بآيةٍ منه، بأيِّ وجهٍ مِن الوجوه، سواء كان ذلك بالكلام، أو الفعل، ولو بالإشارة ونحوها.

ولا فرق في ذلك بين الجدّ والهزل، وهذا مما لا نزاع فيه بين أحدٍ مِن أئمة المسلمين، على ما سبق نقل ذلك عنهم مِن غير وجهٍ.

وهو مما عُلِمَ اضطرارًا مِن دين الإسلام، وقد سبقت أدلتُه في هذا الكتاب مفصَّلَةً مُبَيَّنَةً؛ والحمد لله.

وتأكد ذلك مِن وجوه؛ منها:

-أن القرآن كلام الله - عز وجل - غير مخلوق، ولا يُشبه كلام أحدٍ مِن البشر، وهو صفة مِن صفاته - جل جلاله -؛ ولمَّا كان الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات؛ كان حقّ القرآن تابعًا لحقِّ الله - عز وجل -، وكان الطعن فيه طعنًا في ذاتِ المتكلِّم به، وهو المولى - سبحانه وتعالى -، فكان المستهزئ بالقرآن كالمستهزئ بالله - جل جلاله -، ولا فرق، ومِنْ ثَمَّ تُجْرَى على المستهزئ به أحكام الطعن في الذات الإلهية.

-كما تنطبق على المستهزئ بالقرآن أحكام الطعن في الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لكونه معجزته الخالدة التي أيَّده الله بها، وهو الذي بلَّغَهُ عن ربِّه، وهو في ذلك صادقٌ أمينٌ، وإنكاره يعني إنكار رسالة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك لم ينكر ما أنزل الله - عز وجل - إلا مَن ينكر الرسالات السماوية، بخلاف الذين يثبتون ما أنزل الله - عز وجل - لكنهم يعترضون عليه بشُبَهٍ وخيالات، فمَنْ طعن في القرآن أو استهزأ به فقد طعن في المُؤَيَّد به واستهزأَ به، وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ عياذًا بالله مِن ذلك.

-كذلك ينطوي الاستهزاء بالقرآن على إنكارِه، ومِن ثَمَّ الاستهزاء بكل الرسالات والنبوّات الواردة فيه وإنكارها، وإنكار ما ورد في شأنهِ مِن كلام الكتب السابقة عنه؛ كالتوراة والإنجيل، وإنكارُ بعضِها يعني: إنكارها جملةً، وإنكارها يعنى: إنكار رسالة أصحابها، وإنكار الرسالات والكتب السماوية كفرٌ ظاهرٌ لا يتنازع فيه اثنان، ولو وُجِدَ في الدنيا أعلى مِن إهدار الدم لاستحقَّهُ فاعلُ ذلك؛ عياذًا بالله مِن الخذلان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت