وقال ابن بطة العكبري رحمه الله تعالى في ذِكْرِ مقاصد تالِيفه «الإبانة» [1] :
«وأُحَذِّرُهم [2] مقالةَ جهمِ بن صفوان وشِيعته، الذين أَزَاغَ الله قلوبهم، وحجَبَ عن سُبُلِ الهدي أبصارهم؛ حتى افتروا على الله عز وجل بما تقشعِرّ منه الجلود، وأَوْرَثَ القائلين به نار الخلود؛ فزعموا أَنَّ القرآن مخلوق.
والقرآن مِن عِلْمِ الله تعالى، وفيه صفاته العليا، وأسماؤه الحسنى، فمَنْ زعمَ أَنَّ القرآن مخلوقٌ؛ فقد زعمَ أنَّ الله كان ولا عِلْم، ومَن زعمَ أَنَّ أسماء الله وصفاته مخلوقة؛ فقد زعمَ أَنَّ الله مخلوقٌ مُحْدَثٌ، وأَنَّه لم يكن ثم كان، تعالى الله عما تقوله الجهمية الملحدة عُلُوًّا كبيرًا، وكلما [3] تقوله وتنتحله؛ فقد أَكْذَبَهم الله عز وجل في كتابه، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي أقوال الصحابة، وإجماع المسلمين في السابقين والغابرين؛ لأنَّ الله عز وجل لم يزل عالمًا سميعًا بصيرًا مُتكلِّمًا، تامًّا بصفاته العليا وأسمائه الحسنى، قبل كون الكون، وقبل خلق الأشياء، لا يدفع ذلك ولا ينكره إلا الضالّ الجحود الجهمي المكذِّب بكتاب الله وسنة نبيِّه صلى الله عليه وسلم.
وسنذكر مِنْ كتاب الله وسنة نبيِّه وإجماع المسلمين ما دلَّ على كفر الجهمي الخبيث وكذبه؛ ما إذا سَمِعه المؤمن العاقل العالِم؛ ازداد بصيرةً وقوةً وهدايةً، وإِنْ سَمِعَهُ مَنْ قد داخَلَهُ بعض الزيغ والرّيب، وكان لله فيه حاجة، وأَحَبَّ خَلاصَهُ وهدايته؛ نَجَّاهُ ووقاه، وإِنْ كان ممَّن قد كُتِبَت عليه الشِّقْوَة؛ زادَهُ ذلك عُتُوًّا وكفرًا وطغيانًا.
ونستوفق الله لصواب القول وصالح العمل» أهـ
ثم طَوَّلَ ابنُ بطَّة رحمة الله عليه في تفصيل هذا الباب [4] .
الإمام اللالكائي
رحمه الله تعالى
وقال الإمام أبو القاسم اللالكائي رحمه الله تعالى:
«سياق ما وَرَدَ في كتاب الله مِن الآيات ممَّا فَسَّر أو دلَّ على أنَّ القرآن كلام الله غير مخلوق» [5] .
فذكر الآيات الواردة في الباب؛ ثم قال:
«سياق ما رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يدل على أَنَّ القرآن مِن صفات الله القديمة» [6] .
(1) «الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفِرَقِ المذمومة» (الكتاب الثالث: الرد على الجهمية) (1/ 213، ط: دار الراية) .
(2) يعني: المؤمنين.
(3) كذا في الأصل.
(4) بحيث استغرق ذلك مِن (1/ 216) وحتى (2/ 296) من كتابه هذا.
(5) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لأبي القاسم اللالكائي (2/ 216 ـ تحقيق: الدكتور أحمد سعد حمدان، ط: دار طيبة) .
(6) السابق (2/ 224) .