فصلٌ
الْقُرْآنُ كلامُ اللهِ
القُرْآنُ كلامُ اللهِ - عز وجل -، وليسَ كتابًا بشريًّا، أو كلامًا من نَسْجِ العقولِ؛ ومِن ثَمَّ تَحَدَّى اللهُ - عز وجل - به المشركين، وطالبهم بالإِتْيانِ بِمِثْلِه، أو بعضهِ؛ فقال - سبحانه وتعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة:23 - 24] .
وقال - عز وجل: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس:38] .
وقال - سبحانه وتعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [هود:13] .
ومعلومٌ أنَّ الكلام البشري لا يصلُح أن يكون مادةً لمِثْلِ هذا التحدِّي؛ فدلَّ ذلك على أنَّ القرآن كلام الله - عز وجل -، كما دلَّ ذلك على أنَّ القرآنَ يُبَاينُ كلام المخلوقين؛ نظرًا لتبايُنِ المُتَكَلِّم به عن المخلوقين، فهو - سبحانه وتعالى - لا يُشبه المخلوقين في ذاتهِ أو صفاتهِ، فعُلِمَ أنَّ كلامَهُ لا يُشْبه كلام المخلوقين؛ ولذا اختصَّ كلامه بأحكامٍ خاصَّةٍ، لم يصل إليها كلام البشرِ؛ سواء من حيثُ الإعجاز، أو الحفظ، أو التعبُّد به، والثواب على تلاوته وغير ذلك.
ولم يخالف أحدٌ من أهل الحقِّ، وأئمة الدين في كون القرآن الذي بأيدي المسلمين هو كلام الله - عز وجل - حقيقةً، منه بَدَأَ وإليه يعود، نؤمنُ بذلك إيمانًا ثابتًا، ويُكَفَّرُ مَن خالف هذا الإجماع المؤيَّد بالكتاب والسنة وأقاويل الصحابة الأخيار، ومن تبعهم بإحسان، وقد اعتزلت المعتزلة هذا الإجماع فلم تدخل فيه، وتابعها بعض أرباب الضلال؛ كالجهمية، وغيرهم ممَّنْ لا عبرة بهم في مخالفة الإجماع المشار إليه لأئمة الهدى من السلف الصالحين، خاصَّة وقد تقدم الإجماع على ذلك قبل ظهور هذه الفرق الضالة.
قال ابن الجوزي رحمه الله: «لم يزل الناسُ على قانون السلف وقولهم: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، حتى نَبَغَتِ [1] المعتزلةُ فقالت بخلق القرآن، وكانت تَسْتر ذلك، وكان القانون محفوظًا في زمن الرشيد» .
(1) يعني: ظهرت.