فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 213

قال ابن الجوزي: «فلمَّا تُوفِّيَ الرشيدُ كان الأمر كذلك في زمن الأمين، فلما وَلِيَ المأمون: خَالَطَه قومٌ مِن المعتزلة فحسَّنوا له القولَ بخلق القرآن، وكان يتردَّد في حَمْلِ الناس على ذلك، ويُراقب بقايا الأشياخ، ثم قَوِيَ عزمُه على ذلكَ فَحَمَلَ الناسَ عليه [1] » أهـ

ونقلَ الإمام الذهبيُّ رحمه الله عن علي بن الحسن بن شقيق عن النَّضْر بن محمد سَمِعَهُ يقول: «مَنْ قال: هذه الآية مخلوقة {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} [طه:14] فقد كفر» .

ثم قال الذهبيُّ رحمه الله:

«أما تكفير مَن قال بخلق القرآن؛ فقد وَرَدَ عن سائر أئمة السلف في عصر مالكٍ والثوري، ثم عصر ابن المبارك ووكيع، ثم عصر الشافعيِّ وعفان والقَعْنَبِيّ، ثم عصر أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، ثم عصر البخاري وأبي زُرْعَةَ الرَّازي، ثم عصر محمد بن نَصْر المَرْوَزِيّ والنَّسَائي ومحمد بن جرير وابن خُزَيْمة.

وكان الناس في هذه الأزمنة إما قائلًا بأنه كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق، وإما قائلًا بأنه كلام الله وتنزيله وأنه مخلوق، وذكروا في دليلهم: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف:3] قالوا: والمجعول لا يكون إلا مخلوقًا.

فولي المأمون ـ وكان متكلِّمًا، عُرِّبَتْ له كتب الأوائل [2] فدعا الناس إلى القول بخلق القرآن، وتهدَّدهم وتخوَّفهم، فأجابه خلقٌ كثير رغبة ورهبة، وامتنعَ من إجابته مثلُ أبي مسهرٍ عالم دمشق، ونعيم بن حماد عالم مصر، والبويطي فقيه مصر، وعفان مُحَدِّث العراق، وأحمد بن حنبل الإمام، وطائفة سواهم، فَسَجَنَهَم، ثم لم يَنْشَبْ [3] أَنْ مات بطَرَسُوس ودُفِنَ بها.

ثم استخلف بعده أخوه المعتصم، فامتحنَ الناسَ، ونهضَ بأعباء المحنةِ: قاضيه أحمدُ بن أبي دؤاد، وضربوا الإمام أحمد ضربًا مبرحًا فلم يُجبهم، وناظروه، وجَرَتْ أمورٌ صعبة، مَن أرادَ أَنْ يتأمَّلَها ويدري ما ثَمَّ كما ينبغي فليُطالع الكتبَ والتواريخ؛ وإلَّا فلْيجلس في بيتهِ ويدع الناس من شرِّه، وليسكت بِحِلْمٍ، أو لينطق بِعِلْم، فلكلِّ مقامِ مقالٌ، ولكلِّ نزالٍ رجالٌ، وإِنَّ مِن العِلْم: أن تقول لما لا تعلم: الله ورسوله أعلم [4] » أهـ

تنبيه: لم ينكر صلة القرآن بالله - عز وجل - إلا من كفر بالرسل وأنكر رسالتهم، وسيأتي ـ في هذا الكتاب ـ أن إنكار القرآن أو جحده أو الاستهزاء به إنكارٌ وجحدٌ واستهزاءٌ بالرسل. وإنما خالفت فرق الضلال الأولى في

(1) «مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي في «الباب: السادس والستين» (ص/416 ـ 417 تحقيق: د. التركي) .

(2) في «سير النبلاء» : « إلى بعد المئتين؛ فظهر المأمون الخليفة ـ وكان ذكيًّا متكلمًا، له نظرٌ في المعقول ـ فاستجلب كتب الأوائل، وعرَّبَ حكمةَ اليونان » .

(3) يعني: لم يلبث.

(4) «مختصر العلو للإمام الذهبي رحمه الله» اختصار الشيخ الألباني رحمه الله (ص/173 ـ 174) ، ونحوه في «سير أعلام النبلاء» للذهبي رحمه الله (11/ 236 ـ مختصرًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت