فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 213

«والمعنى أن الله تعالى نَبَّأَ رسوله بما كان يقوله هؤلاء المنافقون في أثناء السير إلى تبوك مِن الاستهزاء بتصَدِّيه لقتال الروم، الذين ملأ صيتهم بلاد العرب، بما كان تجارهم يرَوْنَ مِن عظمةِ مُلْكِهم في الشام؛ إِذْ كانوا يرحلون إليها في كلِّ صيفٍ، نَبَّأَهُ نبأً مؤَكَّدًا بصيغةِ القَسَم أنه إِنْ سألهم عن أقوالهم هذه يعتذرون عنها بأنهم لم يكونوا فيها جادّين ولا مُنْكِرِين، بل هازلين لاعبين، كما هو شَان الذين يخوضون في الأحاديث المختلفة للتَّسَلِّي و التَّلَهِّي، وكانوا يظنون أَنَّ هذا عذرٌ مقبولٌ لجهلهم أَنَّ اتِّخَاذَ أمور الدِّين لَعِبًا ولهوًا، لا يكون إلا مِمَّن اتَّخَذَهُ هُزُوًا، وهو كفرٌ محضٌ، ...

فإِنْ قيل: ظاهرُ هذا أنهم كانوا مؤمنين فكفروا بهذا الاستهزاء الذي سموه خوضًا ولَعِبًا، وظاهرُ السياق أَنَّ الكفرَ الذي يُسِرُّونه هو سببُ الاستهزاء الذي يعلنونه؛ قلنا: كلاهما حقٌّ، ولكلٍّ منهما وجهٌ، فالأول: بيانٌ لحكم الشرع وهو أنهم كانوا مؤمنين حكمًا، فإنهم ادَّعوا الإيمان، فجَرَتْ عليهم أحكامُ الإسلام، وهي إنما تُبْنَى على الظواهرِ، والاستهزاء بما ذُكِرَ عملٌ ظاهرٌ يقطع الإسلام ويقتضي الكفر، فبه صاروا كافرين حُكمًا، بعد أن كانوا مؤمنين حكمًا.

والثاني: وهو ما دَلَّ عليه السياق هو الواقع بالفعل.

والآية نصٌّ صريح في أن الخوض في كتاب الله وفي رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفي صفات الله تعالى ووعده ووعيده وجَعْلَها موضوعًا للَّعِب و الهُزْء؛ كلُّ ذلك مِن الكفر الحقيقي الذي يخرج به المسلم مِن الملَّة وتجرى عليه به أحكام الرَّدَّة، إِلا أَنْ يتوبَ ويُجَدِّدَ إسلامَه [1] » أهـ

الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي

رحمه الله تعالى (ت 1377)

قال رحمه الله تعالى:

«س: إذا قيل: السجود للصنم والاستهانة بالكتاب وسبّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - والهزل بالدين ونحو ذلك هذا كله مِن الكفر العملي فيما يظهر، فلِمَ كان مخرجًا مِن الدين وقد عَرَّفتم الكفرَ الأصغر بالعملي؟

ج: اعلم أَنَّ هذه الأربعة وما شاكلها ليس هي مِن الكفر العملي إلا مِن جهة كونها واقعة بعمل الجوارح فيما يظهر للناس، ولكنها لا تقع إلا مع ذهاب عمل القلب مِن نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده، لا يبقى معها شيءٌ

(1) «تفسير المنار» (10/ 529 - 531، ط: دار المعرفة، ط:1414) .

بواسطة «التوسط والاقتصاد» (ص/122 - 123) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت